
ليس معروفاً كيف ستنتهي معركة استئصال فكر "داعش" والقضاء على المجموعات والفصائل التي بايعتها في الجنوب، إذ تستمر المعركة على طول قرى "وادي اليرموك" والريف الغربي لدرعا، كما تمتد المواجهات لتصل إلى منطقة "اللجاة" في الريف الشمالي الشرقي من جهة السويداء، وكذلك غرباً مع "جيش الجهاد" الذي يحمل فكر تنظيم "الدولة" ويتخذ من قطاعات واسعة في محافظة القنيطرة مركزاً لعناصره.
*المعركة وأسبابها
يقول مصدر في "الجيش الحر" إن المعركة الأخيرة اندلعت بمبادرة من "حركة المثنى" و"لواء شهداء اليرموك" كخطوة استباقية بعد أن انتهت التحقيقات إلى مسؤولية "المثنى" عن اغتيال رئيس "دار العدل" في حوران أسامة اليتيم مع أربعة من مرافقيه منتصف كانون الأول ـ ديسبمر 2015، وكذلك اختطاف محافظ درعا "الحرة" يعقوب العمار.
أخذت المعركة أبعاداً استثنائية لتشمل مناطق يتواجد فيها "المثنى" و"شهداء اليرموك"، حيث يتشارك عناصر الفصيلين المتحالفين على خلفيات عُقَديّة ومنها تبنى الفكر المتشدد، واستخدام ترميزات تنظيم "الدولة" في الراية والتنظيم الداخلي وأسلوب العمل.
المعركة الأخيرة امتدت من بلدة تسيل، في الريف الشمالي الغربي، إلى تل الشحم وطفس وزيزون والمزيريب في الريف الغربي، وتعتبر البلدات المذكور بمثابة أطراف تتواجد فيها خلايا لتنظيم "داعش" إلا أن العمق الحقيقي للتنظيم ممثلا بعناصر لواء "شهداء اليرموك" يتركز في قرى حوض اليرموك وهي جملة، الشجرة، سحم الجولان، وجلّين.
فجأة سيطر عناصر "شهداء اليرموك" على بلدة تسيل، وخاض مقاتلون ينتمون إلى "المثنى" القريبة منهم مواجهات في مدينة طفس انتهت بمقتل غالبيتهم، وامتدت الأحداث لتشمل عددا كبيرا من مدن وقرى وبلدات الريف الغربي أسفرت عن مقتل العشرات من هذين الفصيلين، إضافة للعشرات من عناصر الجيش الحر و"جبهة النصرة".
وبالتزامن جرت مواجهات في منطقة "اللجاة" إثر محاولة لعناصر "داعش" التقدم من قرية حوش حماد التي يسطرون عليها باتجاه قريتي الظهر والمدورة، وانتهت المحاولة بالفشل وسقوط قتلى وأسرى تابعين لتنظيم "الدولة".
*خطة "دولة الجنوب"
ويقول مصدر من "البيئة المحليّة" حيث يتواجد الفصيلان، إن خطّة كان يجري التحضير لها للانقضاض على كامل الريف الغربي لمحافظة درعا، ثم لوصل هذه المنطقة شرقاً بمنطقة "اللجاة" وصولاً إلى مناطق شمال السويداء، وغرباً بالقنيطرة، لتنشأ دولة موازية لتنظيم "داعش" في الجنوب، وكان المفترض تنفيذ هجوم "الصدمة والترويع" على نفس الطريقة التي استخدمتها "داعش" في الموصل بالعراق، إلا أن تواجد "جبهة النصرة" من جهة وعدائها للتنظيم وإعلانها للحرب عليه منذ عام 2013، وكذلك تشكيل تحالف من فصائل الجيش الحر في الجبهة الجنوبية، كل ذلك منع "داعش" من التغلغل وصولاً إلى تنفيذ مخططها.
ويشير المصدر إلى أن الفصائل التي تحمل فكر تنظيم "الدولة" كانت تكرر نفيها البيعة للتنظيم بانتظار اللحظة الحاسمة، إلا أنها لم تتمكن من إخفاء الولاء في سلوكها، حيث رفضت الخضوع إلى محكمة "دار العدل" معتمدة على شرعييّها الذين استوردتهم من الشمال وغالبيتهم من غير السوريين، واعتمدت هيكلية تنظيمية "أميريّاً"، وعمدت إلى تصفية القيادات العسكرية في الجيش الحر، واغتيال الشخصيات البارزة داخل شبكات المجتمع، ومنها القضائي والإعلامي والإغاثي كخطوة لهدم ما هو قائم، ومن ثم البناء بشكل مختلف يتوافق وفكر التنظيم المتشدد لاحقاً.
*هلال "داعش"
تشير الخريطة الافتراضية لدولة "داعش" الجنوبية أنها مبينة على فكرة السيطرة على منطقة تشبة الهلال ممتدة من قريتي "القصر" و"الأصفر" شمال االسويداء إلى قرية "حوش حماد" ومناطق حولها في هضبة "اللجاة" الفاصلة بين السويداء ودرعا، حيث يقدر مصدر في "لواء العمري" الذي يخوض معارك ضد "داعش" عدد العناصر التابعة للتنظيم هناك بنحو 300 عنصر، وهم مجهزون بتسليح نوعي متفوق.
ويفصل تنظيم "الدولة" عن جنوب مدينة "نوى" نحو 50 كيلومتراً، منها نحو 25 كيلومتراً هي عبارة عن منطقة صخرية وعرة ضمن الجزء الغربي من "اللجاة"، وإذا تمكن التنظيم من وصلها، فإنه سيكون قادراً على تأمين خط إمداد عبر المناطق الصحراوية من الشمال السوري وصولاً إلى أقصى الغرب على قطاع يمتد من القنيطرة والقحطانية في محافظة القنيطرة على الحدود مع الجولان المحتل، ثم جنوباً نحو قرى حوض اليرموك إلى "جلّين"، ثم إلى باقي المناطق في الريف الغربي لدرعا.
وقدرت التحليلات عدد عناصر الجماعات الموالية لتنظيم "الدولة" على خط شمال السويداء وصولاً إلى القنيطرة بين 2000 و3000 آلاف عنصر، وهو رقم كاف فيما لو تم تجميعه ووصل المناطق التي يسيطر عليها بأن يجتاح المنطقة الجنوبية، مستخدماً مخزونه من الترويع والقتل لإضعاف الخصوم.
*التمدد في القنيطرة
ظهر فكر تنظيم "الدولة" مع تأسيس ما يسمى "جيش الجهاد" في نهاية كانون الثاني ـ يناير 2015، عبر دمج فصائل هي: سرايا الجهاد، جماعة جند الإسلام، جماعة أبو بصير، حركة مجاهدي الشام، جماعة شباب أهل السلف، ولواء ذو النورين الذي تراجع عن الانضمام لهذا التنظيم في بيان لاحق.
وتتحدث مصادر عن أن مجموع عدد عناصر هذا التنظيم لا يتجاوزون 400 وتقدر دراسة أصدرها معهد كارتر في أيار 2015 عددهم بنحو 500 عنصر، والمرجح أن هذا العدد تطور من العشرات إلى المئات بفعل إغراء الكثير من العناصر سواء التي تبحث عن المال، أو الفكر المتشدد، أو الهاربة من تهم سرقة وقتل واختطاف، وهذا الأمر ينطبق أيضاً على "حركة المثنى"، إذ يشير "نابغ سرور" ـ إعلامي مهتم بشؤون المنطقة الجنوبية إلى أن أغلب عناصر الأخير هم من مرتكبي الجرائم واللصوص الذين باتت التنظيمات المتشددة ملاذاً آمنا لهم للهروب من المحاسبة.
وتركزت نشاطات "جيش الجهاد" في المنطقة الشمالية من ريف درعا والقنيطرة على الحدود مع إسرائيل.
وبقي تنظيم "جيش الجهاد" غامضاً في طبيعته وتبعيته وهوية قياداته التي لم يعرف منها سوى قائدها العسكري "أبو مصعب الفنوصي"، الذي أعلنت "جبهة النصرة" القبض عليه خلال مهاجمتها بلدة القحطانية في أواخر أبريل ـ نيسان 2015، ومن ثم تصفيتها لأكثر من 45 عنصرا من نفس التنظيم في ذات البلدة.
وتأكيداً لتحالف جماعة "الجهاد" مع لواء "شهداء اليرموك"، فتح الأخير معركة مع "جبهة النصرة" لتخفيف الضغط عن حليفه المتشدد، ما أوحى للكثيرين بأن "الجهاد" كانت بمثابة خلايا أسسها "اليرموك" وقائده "الخال" تمهيداً لخطوة لاحقة، وهذ يعني تبعيتها له عقائياً.
واستخدم هذا الفصيل أسماء حركية منذ تأسيسه، الذي جاء عبر بيان أكد تعيين كل من "أبو يوسف" أميراً للجيش، و"أبو تيم" قائداً عسكرياً، و"أبو جعفر الجولاني" كمتحدث رسمي، و"أبو علي الأمير" مسؤولاً شرعياً.
*معركة صعبة
يقول ضابط في الجيش الحر، إن إفشال خطة سيطرة "داعش" على مساحات من المنطقة الجنوبية لا تعني أن المسألة انتهت، فالجماعات المتشددة وبينها لواء "شهداء اليرموك" ما زالت تمتلك ترسانة من العتاد ومئات المقاتلين الذي ينتمي كثير منهم إلى البيئة المحلية.
ويصر الضابط الذي طلب إخفاء هويته، على أن المعركة في حوران يجب أن تأخذ جانباً فكريّاً إضافة لجانبها العسكري، إذ يشير إلى إمكانية استعادة غالبية العناصر التي ذهبت إلى التنظيمات المتشددة بدوافع الضغط والفوضى والفقر، وإلا فإن حشر مئات المقاتلين في قراهم التي ينتمون إليها ومهاجمتهم قد يتسبب بمذابح، وقد يمتد الأمر إلى سنوات للتمكن من السيطرة وإنهاء المعركة، مع تبعات سلبية على السكان المدنيين في منطقة واسعة تضم عشرات القرى.
ويقول المنسق السابق للواء المعتز فؤاد العميان، إن استقدام "داعش" إلى حوران عملت عليه أجهزة استخبارات لخلق فوضى، وساعدها على ذلك رغبة النظام في خلق اضطرابات على الحدود مع إسرائيل لابتزازها وكسب موقفها.
ويختم "العميان" إن القوى المحلية أربكت إسرائيل ونظام الأسد بمنعها للتنظيمات المتشددة من السيطرة، ولكن المخاوف من تدخل إسرائيلي تبقى أمراً وارداً طالما أن هناك عمليات إمداد لفصائل تنتمي لفكر وسلوك "تنظيم الدولة"، مع عمليات تفريخ عبر خلايا كامنة، مع مراعاة أن الجيش الحر تعرض لكثير من الضغط في أوقات سابقة لمنع تدخله في مواجهة تلك المجموعات.
علي عيد - زمان الوصل - زاوية "خارج الصندوق" لمكافحة "التقسيم والطائفية"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية