الفن هو أكثر المجالات التي تتعرض لسهام المجتمع، والفنان هو أكثر الشخصيات المطالبة بالموقف، والثورة السورية موقف ما بعده موقف اختبرت مافي النفوس، والفنانون كانوا في مرمى الجمهور فمنهم من تأخر ومنهم من تسارع في اتخاذ الموقف من الثورة كما أن الفنان الذي لم يعطِ أي موقف واجه حقد جمهوره إن كان مؤيداً أو معارضاً.
مازن الناطور ابن مدينة درعا مهد الثورة كان له حديث خاص مع "زمان الوصل"، تحدث خلاله عن علاقته بالثورة وما قدم لها وهو أحد الفنانين الذي كان موقفه واضحاً منذ البداية فإليكم نص الحديث:
*ماذا تتذكر من المدينة السهلية درعا .. بعد كل هذا الدمار؟
درعا مهد الثورة ومشعل الحرية المتّقد الذي لا ينطفئ لأن وقوده من دم أبناء حوران سهل الخير، ولأن حوران لا يعطي قمحاً وغلالاً وفواكه فقط، بل يعطي رجالاً احراراً لا يقبلون الضيم ولا المذلة... لذلك كان أول هتاف "الموت ولا المذلة" من تلك الأرض.
* وهل ستساهم في إعمارها مستقبلاً.... وكيف؟
لن أتوانى عن بذل الغالي والنفيس لبنائها من جديد ولن نعيد البناء بل سنبني من جديد، فلا شيء من البنى التحتية يُبكى عليه وكل المظاهر الحضاريه لدرعا كانت تبنى بهمة أبنائها المحبين المخلصين والمنتشرين بكل أصقاع الأرض.
* كنت واضحاً في موقفك من الثورة.. ما هو سبب موقفك المباشر والمبكر؟
أنا ضد القتل ضد البطش ضد الديكتاتور ضد القمع ضد الإقصاء ضد النرجسية والأنانية بكل أشكالها، نعم أنا ضد تغليب المصالح الفردية أو الأسرية الضيقة على مصالح الوطن والمواطن، فالمواطن السوري يستحق ثورته كما ثورته تستحقه أكثر من أي شعب آخر لأنه وبكل بساطة محكوم بأبشع أنواع الأنظمه الشمولية والديكتاتورية والتي لا تخاف لا من قانون دولي ولا رأي عام.
* زرت مخيم الزعتري في بداية نشوئه... وكانت لك مقولة آنذاك "ليتني لم أفعل" ... لماذا؟
لأنني رأيت ما يدمي القلب ويدمِع العيون .. فكل ما وقعت عليه عيني في مخيم الزعتري كان مؤلماً وجارحاً وخارقاً للطبيعة، وكـأنه من فيلم خيالي أو خرافي، ومع كل هذا الألم والتشرد والذل.. كل شيء بأقصاه ..تمنيت أنني لم أرَ ما رأيت.
* انقسم الوسط الفني إلى قسمين .. مع وضد ماذا يمكن أن تقول للفنانين الصامتين؟
الواقع أن الفنانين انقسموا إلى ثلاثة أقسام .. مع وضد ورمادي، حالهم بهذا حال أي شريحة اجتماعية في المجتمع السوري مع قناعتي بأن الفنان الحقيقي يقع على عاتقه دور ريادي في القضايا المصيرية للمجتمعات، هذا اذا كان فعلاً الفن هو مرآة الشعوب.
ولا شك ان النظام السوري تمترس خلف الفنان الفاسد كما تمترس خلف الجندي الفاسد ورجل الإعلام ورجل الدين الفاسد لتشويه الحقيقه وقتل الحق.
*برأيك لماذا يصمت الفنانون... خوفاً أو انتماء أم هناك أمر آخر؟
منذ هروب أول ديكتاتور عربي واشتعال الثورات العربية بدأ النظام يعد العدة للتملص من الاستحقاق الحتمي، حيث جنّد كل ما يمتلك، وما لا يمتلك من طاقات للهروب إلى الأمام وواحدة من أهم جبهات المواجهه التي تمترس خلفها هي شراء ضمائر الفنانين الفاسدين أو المغيبين أو الملعوب بعقلهم على مبدأ "تمرة او عين حمرا"،فمنهم من أدمن تمر النظام ومنهم من أرهبتهم عينه الحمرا، ومنهم من هو في الوسط يتأرجح ويتخبط ويراهن ويضع قدماً هنا وقدماً هناك.
* ما علاقة النظام بالدراما السورية ونجاح الممثلين؟
لقد استحوذ النظام كسائر الأنظمه الشمولية على كل شيء .. الأرض وما ومن عليها.. فهو الفرد المطلق الآمر الناهي في كل شيء، ومن ضمن ما استحوذ عليه الإعلام ولا أحد يجهل أهمية الإعلام، لدى الأنظمة الفردية والشمولية، فهو بمثابه المركب الذي يعبر به النظام إلى بر العقول، ويغزو به الأفئدة والضمائر.. لقد كان ولا يزال النظام يمتلك ويدير أهم المؤسسات الإنتاجيه التي تنتج معظم الأعمال الدرامية في سوريا،إن لم يكن أهمها وأقواها، بالإضافة إلى البرامج الأخرى التي تكرس في هدفها الأعلى حكم الديكتاتور وتروّج وتسوق له، وبالتالي من يتبنَّ هذه السياسة سواء عن جهل أو عن دراية فهو مرحب به ومن يعِ ويعرف ماوراء الأكمه ويقرأ ما خلف السطور فهو غير مرحب به ولن يمر على آلة صناعة النجوم الدرامية السورية ويرفع.
* اعتذرت عن اعمال سورية .. لماذا؟
نعم لقد اعتذرت عن المشاركه في العديد من الأعمال الدرامية في السنتين الأخيرتين لأنني على قناعة تامة بأن الأعمال التي تنجز الآن داخل سوريا تتم ببركات النظام المجرم . وبالتالي مؤكد إنها أعمال تحرف الأنظار عن حقيقه ما يجري، هذا إذا لم تروج له وتسوق لروايته التي دأب على الترويج لها منذ بداية الثورة من أن ما يحدث في سوريا هي أعمال إرهابيه من مجموعات مسلحة مدعومة من الخارج تستهدف زعزعة الأمن وتستهدف الوطن والمواطن، وكأنه يعرف من هو المواطن وما هي حقوقه وهذا منتهى السخف والفجور لأن النظام هو العصابة الإرهابية الوحيدة بسوريا وهي المدعومة من الخارج من أعداء الشعب السوري، وأعداء الأمة.
* ما ذا يمكن أن يقدم الفنان للثورة؟ وماذا قدمت للثورة؟
أنا على قناعة تامة بأنه لو أُتيح للفنانين السوريين الشرفاء والوطنيين أن يعبروا عن حقيقة مشاعرهم تجاه ما يحدث في وطنهم دون ترهيب، لاستطاعوا توفير آلاف أو عشرات آلاف الأرواح، نعم لو استطاع الفنان والإعلامي السوري أن يعمل في مناخ صحيح لقلب كل المعادله ولاختصر الكثير من آلام الشعب السوري العظيم الذي يذبح ليل نهار أمام مرأى العالم المتحضر والمتمدن بالشعارات والأقوال فقط، حاله حال النظام الذي يدعي الممانعة والمقاومة وهو بريء منهما، وإذا لم يعمل الفنان ما يمكن أن يعمل فلا بركه فيه وفي عمله، إذا لم يعبر صاحب الريشة الآن بألوانه وصاحب الحنجرة بصوته وصاحب القلم بقلمه فمتى يعبر عند التسليه والسخافات التي تملأ شاشاتنا العربية.
وكنت من أوائل الفنانين الذين قالوا كلمتهم وبصوت عال من خلال عرض مسرحية " سوناتا الربيع " التي قدمت في مهرجان "المونودراما" في الفجيرة وفي "أيام الشارقة المسرحية" وفي أبو ظبي، برعاية دائرة الثقافة ونخطط لعرضها قريباً في دبي.
*هل تلقيت تهديداً؟
نعم لقد تلقيت عشرات التهديدات والشتائم ويكاد يكون الأمر بشكل يومي فهناك جيش جرار من الشبيحة الالكترونيين الذين لا همّ لهم إلا التهديد والشتم والقذف وبث الشائعات .. والصراحه والحق يقال إنهم مبدعون بذلك ولا شيء غير ذلك.
* رأيت الوضع بعينك داخل سوريا ... هل وسائل الإعلام تعكس الحقيقة؟
رأيتأاناساً مؤمنين بالنصر ورأيت رجالاً بمنتهى الذوق والأخلاق والتهذيب، رجالاً مقاتلين كنت أسألهم أينما وجدتهم ماذا ستفعل بنهاية الثورة وعند النصر وكان هناك جواباً يتيماً وعلى كل الشفاه .. أريد أن أربي أطفالي، أريد أن أرمي سلاحي، أريد أن أعود إلى أرضي وعملي .. ولا أعرف لماذا يتم تشويه بعض الحقائق وإعطاء صور مخالفة لما هو على الأرض من خلال بعض وسائل الإعلام.
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية