أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

إيران تسرق السودان من العرب!.. فؤاد عبد العزيز*

بشار والبشير

منذ خمس سنوات، كانت المرة الأولى في حياتي التي ألتقي فيها وأجلس مع إخوة سودانيين، ولفت انتباهي على نحو مدهش، كم الطيبة والعفوية والدماثة والرقة الموجودة في شخصياتهم، على عكس ما كنا نعتقد نحن أبناء الشرق العربي، بأنهم شرسون وعدوانيون وأحيانا كنا نظنهم وحوشا ويأكلون لحوما بشرية ..!

ولحسن المصادفة مع موضوع حديثنا، أن جميع الإخوة السوادنيين الذين التقيتهم، كانوا من معارضي رئيسهم عمر حسن البشير، الذي كانوا يصفونه بالجزار والديكتاتور، لكن أيا منهم لم يكن يستغرق كثيرا في الحديث عن الأوضاع الداخلية والسياسات التعسفية لنظام الحكم عندهم، وفي أحسن الحالات كنت تجدهم يشيرون إلى مجازر دارفور، بشيء من العموم الذي لا يتوافق مع رغبتك بمعرفة المزيد من التفاصيل، وما الذي حدث بالضبط حتى أصبح الرئيس السوداني على قائمة المطلوبين للعدالة الدولية.

ومن جهة ثانية، كان الحدث السوري، يستنزف منا كل فضول للتعرف على أوضاع الآخرين، لذلك من ناحيتي، اكتفيت بهذه الرؤية العامة التي قدمها لي الإخوة السودانيون عن بلدهم، ولم أحاول البحث عن الأسباب التي أوصلت هذا البلد إلى حد أن يقوم حافظ الأسد في الثمانينات بجمع التبرعات من السوريين، لنجدة اخوانهم السودانيين الذين ضربتهم المجاعة في ذلك الوقت. 

بالأمس، وبعد أن قام الرئيس السوداني عمر البشير بزيارة إلى بشار الأسد، كأول رئيس عربي يكسر الحصار عن الأسد، اختلف الوضع كثيرا، ليس بالنسبة لي فحسب، وإنما بالنسبة لجميع السوريين، الذين راحوا يبحثون في تاريخ السودان السياسي والاقتصادي، وينقبون عن كل صغيرة وكبيرة فيما يتعلق بهذا البلد وهذا الرئيس، وكانت النتيجة التي توصل إليها الكل تقريبا، بأن الديكتاتوريين لا بد أن يحنوا على بعضهم، ولا غرابة أن يلتقيا من كانا السبب في مأساة شعبيهما، فكلاهما في الإجرام سواء.

من جهتي، وكغيري من السوريين، استغرقت ساعات في قراءة وسماع الكثير من التحليلات، التي تحدثت عن دلالات زيارة البشير إلى بشار الأسد، وهل يمكن أن يتبعها زيارات لزعماء عرب آخرين ..؟ أم أنها زيارة لا معنى ولا قيمة لها، وهي تندرج في إطار المحاولات الروسية غير المجدية لإعادة تأهيل نظام الأسد..؟

في الواقع لم استطع الحصول على إجابة على هذا السؤال في كل ما قرأت وسمعت، مع أني لا أميل مع من يقللون من أهمية هذه الزيارة ونتائجها، لكن بنفس الوقت لا أجد نفسي متحمسا للقول بأن نظام الأسد يجري تأهيله من بوابة السودان .. إذا، ما الذي يجري بالضبط ..؟

الجواب وجدته عند أحد الصحفيين السودانيين، الذي كان أحد هؤلاء الذين تعرفت عليهم منذ خمس سنوات. فهو يرى أن السر كله يكمن في الإجابة على سؤال : أين إيران من الموضوع..؟ 

ومن وجهة نظره، فإن زيارة البشير إلى بشار الأسد، هي ثمن يسدده الأول للإيرانيين وليس للروس، ساردا في هذا المجال أنشطة إيران في السودان خلال السنوات السابقة، والذي لم تستطع أن تجاريها المملكة العربية السعودية ولا أي دولة عربية أخرى.

وأخبرني هذا الصديق على نحو كان مفاجئا بالنسبة لي ، أن السفارة الإيرانية في الخرطوم، تعمل منذ أكثر من عشر سنوات ضمن برنامج متكامل من المساعدات الإنسانية والاقتصادية والأنشطة الاجتماعية والثقافية، التي ساهمت بمجملها في جعل الشعب السوداني لا يكن العداء لإيران، مهما تناقلت وسائل الإعلام من أخبار عن جرائمها في سوريا وغيرها من الدول.

وهو يرى أيضا أن إيران عززت كثيرا من موقف البشير السياسي، وإن بشكل خفي، في مواجهة أمريكا والعقوبات الدولية الصادرة بحقه، بينما لم يكن يثق بالموقف السعودي وباقي دول الخليج الحليفة للغرب، وكان غالبا ما يبيعهم موقفه السياسي مقابل المال فقط ولفترة محدودة. 

بينما إيران، بحسب ما يقول، تملك استثمارات كبيرة اليوم في السودان، وهناك اتفاقات على درجة كبيرة من الخطورة بين النظام السوداني والنظام الإيراني، في المجال العسكري، وفي مجال النفط على وجه الخصوص، وهي اتفاقات لم يتم التصريح عنها بشكل علني، لأن البشير لا يريد المال فحسب، وإنما يريد أن يبقى في السلطة .. وهو ما لم تستطع أن توفره دول الخليج أو أي دولة أخرى باستثناء الإيرانيين والروس.. 

ويختم بالقول: قد تكون الزيارة ليست ذات قيمة من ناحية الموقف العربي تجاه نظام الأسد ، وقد لا تعني شيئا كما توصل أغلب السوريين، لكن بنفس الوقت، يجب أن ينتبه العرب إلى أن إيران تسرق منهم دولة أخرى ..!

*من كتاب "زمان الوصل"
(218)    هل أعجبتك المقالة (224)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي