يبدو أن العنوان مستفز أو صادم أو فيه -ربما- تجنٍ على الشعب الفرنسي المعروف عالمياً بالرقة والرومنسية وحب المساواة، والتي تأتي كجزء من الشعار الرسمي للبلد "Liberté, Egalité, Fraternité" أي "الحرية، المساواة، الإخاء"، لذا سأفنّد أو أقول وجهة نظر، وحبذا أن تلقى من النقاش ما تستأهل.
لأبدأ بالفرنسيين الذين ربما لم يتعرضوا لحيف قانوني ولا استبداد وقهر خلال عقود طويلة، كان آخرها ربما عام 1968 وما سُمّي الحركة الطلابية التي احتواها شارل ديغول بحنكة وبراعة وقمع، وبالعام، منذ نهايات الثورة الفرنسية الشهيرة، وعبر مراحلها الأربع التي اندلعت عام 1789، بل اعتادوا أن يروا الظلم ويعايشوا عبر وسائل الإعلام، تفقير وقهر الشعوب واستيلاب أبسط حقوقهم.
لكن هذا الشعب الرومنسي، وما إن أعلن الرئيس ماكرون أنه بصدد تحريك أسعار النفط، حتى بدأ التحشيد للرد عبر الشارع، وهو فعل حضاري لا شك، لأن تفقير الشعوب وإثقال كواهلهم بضرائب أو بأسعار مرتفعة لسلع تحريضية ستنعكس على مجمل حياتهم، هو سمة، غير فرنسية وإن كانت الطريقة المثلى بالدول الديمقراطية.
وأمام تصميم الرئيس وعدم الاستجابة لمطالب الباريسيين خاصة، بدأت تظاهرات أصحاب السترات الصفراء منذ نحو 15 يوماً، وبلغت ذروتها الأسبوع الفائت، وقت، خرجت التظاهرات عن المتوقع و"الحضارية" وأتت على بعض الممتلكات العامة والإساءة لتاريخ فرنسا الديمقراطي، ما دفع الرئيس إيمانويل ماكرون، للتراجع عن رفع الأسعار العام القادم.
بيد أن التظاهرات لم تتوقف، بل وتعدت الدعوات باريس ومارسيليا، وكذا قضية رفع أسعار الوقود، ليتدخل أنصار المناخ وحماية البيئة على الخط، فتمخض عن ذك مشهد مستغرب، ربما من الشعب والحكومة الفرنسيين بآن.
فالذي فعلته وزارة الداخلية، قد لا يتواءم مع ما كونّاه تاريخياً عن حقوق الرأي والتعبير، فاعتقلت مئات المتظاهرين واستخدم الأمن الذي أعطي صلاحيات واسعة، قنابل "فلاش بول" ما قد يزيد من التظاهرات التي تراجعت عن الأسبوع الفائت، وقد تدخل الحكومة والرئيس، بسيناريوهات جديدة وطرق صعبة العودة.
وبالمقابل، تم ضبط أسلحة وأدوات حادة مع متظاهرين، بعد أن أحرق بعضهم الأسبوع الفائت ممتلكات خاصة وعامة، بل وسرقوا بعض المحال وفق ما تناقلت وسائل إعلام عدة، فنتج حتى تاريخه، إغلاق برج إيفل ومتحف اللوفر أهم معالم عاصمة النور أمام السياح، وكبريات المحال التجارية و40 محطة ميترو خطوط الباصات بوجه الشعب الرومنسي.
قبل أن نأتي على السوريين خلال بدايات ثورتهم -طبعاً إن جاز لنا التمثيل- ربما من الضرورة الإشارة إلى ما قد يخطر لقارئ على بال، وهل غير الديمقراطية والحرية بالذي رأيناه حتى اليوم، أو أن جلّ ما يجري بعد تراجع ماكرون عن قراره، هو بدفع ودوافع يمينية وليبرالية، وإن شئتم مؤشرا على تنامي تيارات بأوروبا، قد تشعل القارة الديمقراطية العجوز، بنيران ربيع أوروبي، يرعاه كثيرون، إن بالولايات المتحدة أو روسيا الاتحادية أو حتى اليمين الأوروبي الذي بدأ يتسلل للبرلمانات والحكومات بعديد من دول أوروبا الغربية.
وأما لجهة السوريين، ورغم الاختلاف الشاسع بأسباب التظاهر، فهناك بفرنسا رئيس منتخب وهنا رئيس وريث، وهناك حريات وسيادة قانون وهنا قمع أمني ونظام مزرعة وسطوة عصابة، هناك كفاية وبحبوحة إلى حد بعيد وهنا تفقير وتجويع وسرقة مقدرات.
بيد أنه ورغم هذا البون الشاسع، وجدنا ورغم قتل أمن الأسد متظاهريّن بمدينة درعا خلال أول خروج شعبي، بقيت الثورة السورية ولأشهر ستة، وباعتراف بشار الأسد، سلمية وصوفية وتنادي بالوحدة الوطنية والشعب الواحد.
بل وبعد كثير من الجرائم وإراقة الدماء، وجدنا متظاهرين وبمناطق عدة، يرجون الجيش الحياد ويقدمون لهم الورود والمياه الباردة، ولعل بمثال الشهيد غياث مطر، دليلا واضحا زاد من وجعه، اعتقال مطر وقتله تحت التعذيب.
طيب، بعد هذا التوصيف واللف والدوران، ماذا أريد أن أقول؟
صراحة أرمي لأمرين اثنين، الأول أن القارة الأوروبية عموماً، وفرنسا الديمقراطية على وجه التحديد، لم ترع أو تساند الديمقراطيات بعد هبات الشعوب في الدول الديكتاتورية، ولعل بما حصل في دول الربيع العربي، مثالاً لم يزل يوجع وماثلاً بالذواكر.
وهنا، ليس القصد من إيراد "الأول" التشفي والحقد أو التمني بوقوع فرنسا وأوروبا بأتون حروب وثورات ودماء، بقدر ما هو تحريض على البحث لعدم مد يد دول الشمال الديمقراطي للشعوب التي تطلعت للحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، إن لم نقل التنسيق مع الأنظمة المستبدة، أو دعمها كما بمصر السيسي وربما سوريا الأسد لاحقاً.
وأما الأمر الثاني، ترى هل خنوع الشعب السوري وخوفه من العقاب والاعتقال والموت، هو ما دفعه للسلمية، وما خروج الفرنسيين وحرقهم لمراحل، إلا بدوافع ديمقراطية واستقواء بالانطلاق من القانون والحقوق والحريات؟!!.
خلاصة القول: بصيغة توفيقية أقول، ليس الشعب السوري أرقى من الفرنسي ولا الفرنسيون أكثر شجاعة أو حرصاً على الممتلكات والحياة العامة من السوريين، طبعاً إن تعرضوا لحيف أو تدخلت أياد خارجية، فحرضّت وعبثت.
بقدر ما تكمن القضية برأينا، بوضوح القوانين ومنح الحريات وتداول السلطة، فلو قابلت عصابة بشار الأسد مطالب السوريين بالقبول والتحقيق، فربما لم نر بلداً محتلاَ اليوم ولا مليون شهيد وتهجير نصف السكان.
كما لو أن ماكرون "جحّش" كما الأسد، فقمع وقتل واستقوى على الشعب بالخارج، ليس من المستبعد وبعد سبع سنوات من المواجهات، أن نرى "داعش فرنسية" وحربا ودعوات للتقسيم.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية