تروي هذه الأحداث السجينة السابقة عائدة الحاج يوسف، التي كانت مسجونة مع الفتاة صاحبة القصة...
تُصيبني دهشة مُخيفة حين أسمع خبر مقتل سيّدات مُعتقلات وردت أسماؤهنّ في السجن بين الحاصلات على إخلاء سبيل، أتساءل، لماذا يُعلن نظام الإجرام إخلاء سبيلهم أمام السيّدات المُعتقلات الأُخريات؟ وإلى اللحظة لا أجد جواباً لذلك.
تردّدت كثيراً قبل الكتابة عن الفتاة المُعتقلة "ظلال صالحاني" لكن بعد تأكيد مقتل عالمة الفيزياء "فاتن رجب" ومهندسة المعلوماتية "ليلى شويكاني" في مُعتقلات نظام "بشار الأسد" الإجرامية تعرّضت لاستفزاز نفسي رهيب وعادت "الفتاة ظلال" تزور ذكرياتي.
لدقائق معدودة في باحة السجن التقيت الشهيدة "فاتن رجب" التي فرضت احترامهما أمام كُلّ سيّدة التقت بها، فيما لم يُحالفني الحظ بلقاء الشهيدة "ليلى شويكاني".

سمعت اسم الفتاة المُعتقلة "ظلال صالحني" مراراً على مُكبّرات الصوت أثناء إعلان أسماء السجينات المُعاقبات، ما لفت انتباهي تكرار اسمها بشكل أسبوعي بين قائمة المُعاقبات، حاولت تكوين فكرة عنها، إلّا أنّني لم أنجح بسبب عدم ذكر أيّ شيءٍ يخصّها من قبل السجينات تخوّفاً من زجّ أسمائهنّ في قائمة العقوبات اللاحقة، إلى أن كنت في ندوة "بوفيه" السجن الذي تُسلب فيه ما يتوفّر لدينا من مال بسبب الأسعار البالغة أكثر من عشرة أضعاف عن خارج السجن، وهو المكان الوحيد الذي تلتقي داخله السيّدات المُعتقلات من أجنحة أخرى، حينها شاهدت العقيد "عدنان سليمان" يتفقّد المكان، وبعد جولة بسيطة وقف أمام الطاولة ضارباً عصاه عليها بقوّة ليرعب السيّدة، وهي تبدو بشكلٍ جريءٍ غير آبهةً له إطلاقاً، سألها "شو ظلال مبسوطة بالبوفيه"، أجابت هادئةً قويّةً "الحمد لله دائماً وأبداً" لتترك لدي انطباعاً إيجابياً لا يُمكن وصفه في مكانٍ من الصعب أن تجد فيه من يُجيب الجلّاد بجرأتها.
ابتزازاً وإهانةً لظلال، كان رئيس السجن ينقلها كُلّ أسبوعٍ لجناحٍ جديد، أخيراً دخلت مهجعنا في "جناح الإرهاب" التقيت بها، غير مُبالية أبداً لما تتعرض له، قالت ساخرةً "صادروا سريري وخزانتي علماً أنّني أقدم السجينات، أخبروني يا زميلات أين أضع أغراضي هذه".
الاقتراب من "ظلال صالحاني" وتقديم المُساعدة لها قد يُعرّض كُلّ نزيلات المهجع للعقوبة، لكن بعفوية اندفعنا لمساعدتها، افترشت الأرض، رفضت أن تنام في سرير إحدانا، لاحظنا رغبتها بالابتعاد عن السجينات وانزوائها لوحدها حتى لا تُعرّض إحداهنّ للإيذاء، لكنّ واقع النساء يفرض ذاته، جلست بجوارها، وجدتها تتمعّن بصورة عائلتها التي انتقلت من سوريا إلى تركيا والدّمع يملأ عينيها، أخبرتها بتفاصيل اعتقالي، وشوقي لأطفالي، وكيف تخلّى الآخرون عنّي، تشجّعت هي وحدّثتني عن نفسها.
مواليد 1993، طالبة سنة أولى في قسم الكيمياء بجامعة حلب، اعتقلها "فرع الأمن الجنائي" بمحافظة حلب على خلفية علاجها لأحد الشبّان المُصابين في التظاهرات ضد النظام في "تموز يوليو/2012"، سُجنت في "الأمن الجنائي" حوالي ثلاثة عشر شهراً، قضت سبعة شهور منها في "السجن الانفرادي" ثمّ نُقلت بالطائرة برفقة شابّين يشتركان معها التُهم ذاتها إلى العاصمة دمشق، وأُودعت في "سجن عدرا المركزي" لصالح "سجن صيدنايا" وحُوّلت مرة واحدة إلى محكمة الميدان العسكرية.
لم تُخفِ عتبها على الثوار والمعارف خارج السجن حيث قالت لي مقهورةً "من في الخارج نسيونا ونحن ما زلنا أرقاماً في الزنازين"، كم تمنّت أن يرد اسمها في صفقات التبادل لتخرج وتكمل مسيرتها.
"ظلال" المُشرقة المُتّسمة دائماً بالقوّة والتفاؤل والواثقة بنصر ثورتها لم تشفع لها أمام جلاديها كُل نداءات جمعيات حقوق الإنسان والمؤسسات الإعلامية والأنشطة الضاغطة حول العالم.
قبل نهاية العام 2016 تواترت أنباء عن مقتلها، لكنّي أجزم أنّها كانت في "سجن عدرا" حتى نهاية العام ذاته، وبعد ذلك اختفت أخبارها كُليّا، فمتى وكيف سيتم الكشف عن مصيرها؟
زمان الوصل - خاص
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية