يضيع الدم والحقوق ويخفّ القصاص، حينما يتعدد القتلة، بل و"يبرد الدم" ولا يعرف أولياؤه طريقاً للثأر، ولو بعد أربعين عاماً.
وهذا ما حصل، أو يخال لكثيرين، بجريمة مقتل "العمودين" رائد الفارس وحمود الجنيد بكفرنبل بالجمعة السوداء "23-11-2018" مشفوعاً بشروط وظروف إضافية، تدفع، قسراً وخوفاً، للسكوت عن الحق، وإن كان بينّاً وضوح الشمس بكبد السماء.
ثمة نقاط عدة من الأهمية التطرق لها، ولو بإشارة.
رقم واحد، أن ثمة حقدا متراكما لدى كثيرين على الإسلام كدين حنيف، وما إن تحدث جريمة، حتى ينكؤون عورات التاريخ، منذ نزول الوحي حتى آخر آذان سمعوه.
وهنا، لست بصدد الدفاع عن الأديان، بقدر سعيي للإشارة لأمرين، الأول التفريق بين الأديان ومضمون دعواتها للمحبة والعيش بحرية وعدالة، وبين من يركب على الأديان لتحقيق مآربه.
والأمر الآخر ذو صلة بالأول، مفاده أننا لا يمكن عبر "بوست" أو رأي خلال وسيلة إعلامية، أن نغيّر من طقوس وعبادات وقناعات عمرها آلاف السنين، بل ربما العكس، نزيد بطروحات "إصلاحوية" من تأجيج الأحقاد بين فئات المجتمع ونزيد من الفرقة، بوقت نحن بأمس الحاجة فيه، للبحث بالمشتركات وليست تكريس الخلافات.
وربما الحل المنطقي بحالات كما السورية، الدعوة لعودة الدين لأماكن العبادة وتكريس حق العبادة للجميع دون التدخل أو المصادرة.
ولأقطع الطريق على من قد يرى "خللاً" بتقديمي هذا الأمر على سواه، بجريمة كسرت ظهر السوريين أول أمس، أقول: لم يحرف ثورة السوريين عن مسارها كما فعل من يظنون أنفسهم وكلاء الله على الأرض، ولم يحقق غايات النظام بإلباس الثورة حلة الأسلمة، كما فعل التافهون المرتبطون المتخلفون...وربما لم يسئ للدين أولاً وللتاريخ والمستقبل ثانياً، كما فعائل من لبس عباءة الدين مقلوبة، فشوّه كل جمال وعدل وحرية، أتى عليه الدين.
رقم اثنين، أين تبدو مسؤولية من يسيطر على الأرض، من حكومات، مؤقتة وإنقاذ وأمر واقع، بجريمة اقترفها مجرمون بوضح النار، تسقط خلالها كل مقولات التعمية والمداراة والتملص، فأن يقوم ملثمون بواجبهم الدنيوي بعد أن أنهوا واجبهم الديني "صلاة الجمعة" إثر مطاردة ووجود شهود، فهذا ما يسقط أي تبرير وتهرّب من تجريم القتلة، إلا- المهم بعد إلا- إن كان من يسيطر على الأرض هم من قتل بأدوات رخيصة أو مغيبة وحاقدة.
وربما بهذي الحالة، من السذاجة فلسفة تحميل وزر القتل لجهة من يسيطر محلياً على الأرض، إذ ربما لا يخفي "المجاهدون" دورهم بالجريمة، بعد تصريحات المرحوم الجنيد ورفعه لافتة يطالب بالإفراج عن المعتقل ياسر السليم وصعوبة اعتقال الفارس نظراً لما يتمتع به من جماهيرية ومحبة بكفرنبل وغيرها.
بل الرمي إلى ملعب من يسيطر على "الأرض المحررة" بكليتها، والقصد تركيا، إذ قطيع من الأسئلة تتوثب على الشفاه هنا، إن بدأت من مبرر بقاء هؤلاء الشذاذ المسلحين يعيثون بإدلب ومن فيها قتلاً وامتهاناً وفساداً، لا تنتهي -الأسئلة- عند عدم أخذ جريمة الفارس والحميد، مسارات جريمة خاشقجي بالتحقيق والملاحقة وإحقاق الحق؟!.
وأما رقم ثلاثة وهو خلاصة القول فسنسوق مطلعه بسؤال: ترى لماذا يتم الآن، اغتيال نشطاء وإعلاميين سلميين ولهما حضور فاق المحلي والإقليمي، بعد مشاركة المرحوم الفارس، دولياً بتظاهرات ومحافل، كانت الولايات المتحدة، ولمرتين، مكانا لها.
أليس ببعض الإجابة على الأقل، الإجهاز على ما تبقى من روح وأهداف الثورة، وقتل بقايا الأمل التي يقبض عليها السوريون كجمرة، بواقع تخاذل العالم وسعيه لإعادة إنتاج نظام الأسد.
وأليس ببعض الإجابة أيضاً، تشويه ما تبقى من "حسن سلوك" الثورة، بأن هؤلاء الثوار قتلوهم الثوار ولم يبقَ من انتفاضة 2011 سوى مارقين وقتلة، وبات من الضرورة تدخل خارجي أو عودة "المحرر" إلى حضن النظام.
أليس ببعض الإجابة أيضاً، أن يكفر السوريون بالثورة والإسلام، ويلتفتوا لمشاريعهم الفردية والشخصية، كأضعف الإيمان، هذا إن لم نقل ذم الثورة وبدء الشعور بالندم بالخروج على النظام العلماني التقدمي..!
إذاً، وبصرف النظر عمّا قد تتضمنه الإجابة عن توقيت وقتل الفارس والجنيد، ما هو الرد الوطني والأخلاقي على الجريمة ومن خطط لها ونفذها.
أعتقد بضرورة متابعة دم القتيلين أولاً، وعبر طرائق عدة، تبدأ من الشق القانوني، ملاحقة وتحميل مسؤولية حتى للدول الضامنة والمسيطرة.
وعدم نسيان دم القتيليّن وأسرهم ثانياً، إذ ولكثرة سيلان الدم واعتياده ربما، بات السوريون نساؤون حتى لحقوق الدم وما يتركه المقتولون من أسر، تعاني بعد وفاتهم الأمرّين...بل وتلجأ لبيع كل ما يمكن أن يباع.
وأما ثالث الردود وأهمها ربما، هو الاستمرار بثورة هي قدر السوريين الوحيد، لتحصيل حقوقهم والتأسيس لدولة ديمقراطية تضمن الحرية والكرامة، لأبنائهم على الأقل... ليك مقتل رائد الفارس وحمود الجنيد، بمثابة وقود وكشف حقائق للاستمرار، وليس عامل إحباط وذريعة، لسب الثورة والأديان والهروب إلى تدعيم دولة أسدية، قد لا تنتهي بحافظ الثالث عشر.
هامش: قلت لكم أنا أعرف قتلة الشهيديّن وهاكم الإجابة:
قتل رائد وحمود أصالتهما وحبهما لسوريا وكفرنبل، قتلتهما شجاعتهما ورفضهما الخروج من الوطن..وقتلهما الحقد الأسود والأعمى تجاه كل أمل وحرية وعدالة.
أتعلمون أن رائد خاصة، وُجهت له دعوات لجوء وعمل بأكثر من دولة، يحلم بالوصول إليها هجرة ومخاطرة، آلاف الثورجية...ورفض.
وقتلهما أيضاً، جبننا وخوفنا نحن الآمنين، وقتلهما أولاً وأخيراً، وكلاء نظام بشار الأسد الذي يرى بمثلهما خطراً على كرسي الوراثة..لا تطاوله خطر المدافع ولا حتى قرارات مجلس الأمن.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية