في نهايات التسعينيات من القرن الماضي، انتشرت على نطاق واسع شائعات تقول بأنه من لديه حاجة مستعصية، فليذهب إلى بشار الأسد في مكتبه بالحرس الجمهوري، فإنه يقضيها له ويحقق جميع أمانيه.
وأنا كنت صاحب حاجة، ومن من الشعب السوري لم يكن صاحب حاجة في ذلك الوقت..؟! لذلك قللت عقل وأخذت أحث الخطى للتعرف على أي شخص، يستطيع أن يوصلني إليه بأي ثمن، وشاءت الصدف إحدى المرات، أن التقيت عند أحد الأصدقاء بقريب له كان يخدم في الحرس الجمهوري، فنصحني أن أكتب له رسالة، وتكفل هو بإيصالها إلى مكتبه.
وبالفعل كتبت له رسالة ، ومضت شهور دون أن أحظى برد عليها ، لدرجة أني نسيتها، ثم إن حاجتي التي طلبتها تم قضاؤها ولم يعد لي حاجة لرؤيته، أي بشار الأسد.
مرة وبينما كنت عائدا إلى البيت، وجدت شابا أشقر بملامح ريفية ينتظرني عند والدتي رحمها الله.. فأخبرني أنه من الأمن السياسي وأن رئيس الفرع في درعا يريد أن يراني على وجه السرعة..ثم جذبني خارجا، وطلب مني أن أشتري له علبتي حمراء طويلة مع 100 ليرة ثمن أجرة سيارة، لكي يعود إلى القسم لأنه تأخر كثيرا وهو ينتظرني، وأعلمني أنه من إدلب، وأكد جازما أنه لا يعلم السبب الذي يريدني لأجله المعلم.
في تلك الليلة لم أنم، ورحت أتقلب على جمر النار، كما تقول أم كلثوم، وفي اليوم التالي أخذت اتصل ببعض الأشخاص ممن على اطلاع بموضوع الاستدعاءات من هذا النوع، فأكد لي أحدهم أنه عندما يطلب المعلم شخصيا رؤية شخص ما، فإن في الأمر خيرا، ولو كان الأمر غير ذلك، لأرسل لك دورية واعتقلتك على الفور.
ارتحت كثيرا لهذا التفسير .. وشيئا فشيئا أخذت أساريري تتمدد بعد ليلة من الانقباض الشديد، حتى أني أخذت أغني بصوت مرتفع، ثم أتمايل راقصا بالقرب من والدتي، التي سرها كثيرا أن تراني سعيدا.
في الطريق إلى فرع الأمن السياسي، كانت الأفكار تأخذني إلى شتى الاتجاهات، فأتساءل: هل من المعقول أنهم قرروا توليتي منصبا كبيرا، وكلفوا رئيس الفرع بإبلاغي شخصيا..؟ ثم أرد: لم لا ..؟!
كما رحت أتخيل شكل رئيس الفرع وأعطيه مواصفات جسمانية غير عادية، طويل عريض، ملامح وجه قاسية، يملك كفين إذا ضرب أحدهم بهما، يوقعه قتيلا.
عندما وصلت إلى باب الفرع وأخبرتهم باسمي، وجدتهم وكأنهم ينتظرونني منذ فترة طويلة .. فبدأت الاتصالات، وتفرس بوجهي أكثر من شخص، ثم أدخلوني إلى مكتب، وبعدها إلى مكتب آخر، وأخيرا جاء ضابط عرفني على نفسه بأنه برتبة ملازم على ما اعتقد، واخبرني أنه سيقودني إلى مكتب المعلم.
أدخلني إلى مكتب فخم، وانسحب هو بهدوء دون أي كلمة، بينما كان يجلس على الطاولة شخص أسمر ، يلبس بدلة رسمية، ويعبث بأوراق أمامه، لم يلتفت أبدا نحونا، وكأن شيئا لم يحدث حوله..
ظللت واقفا بانتظار أن يطلب مني الجلوس، إلا أنه ظل يعبث بأوراقه، دون أن ينظر إلي، ودون أن اسمع صوته، أو حتى دون أن يشعر بوجودي.
بعد نحو نصف ساعة، خارت فيها جميع قواي الجسدية والذهنية وأنا واقف بانتظار أن يحدثني، استدار بكرسيه إلى الحائط، بحيث أصبح ظهره كاملا علي، ثم قال بصوت هادئ: ولاه حيوان شو عم بتعمل إنت هون .. !هممت بالنطق لكي أجيب على سؤاله، فبادرني بصوت مرتفع: انقلع لبرا ولاه .. حاولت أن انطق مرة أخرى: فقال بصوت أكثر ارتفاع: برا ..
خرجت من مكتبه بهدوء، ورحت أهيم بين الممرات بحثا عن باب الخروج، إلى أن اهتديت إليه، بينما لم يعترض طريقي أحد أو يسألني من أكون ..حتى الملازم الذي أدخلني إليه، صادفني في أحد الممرات، ولكن دون أن يسألني بشيء.
عندما أصبحت في الشارع، لم أصدق نفسي أنني خرجت سالما من هذا المكان.. لكن لا يزال يحز في نفسي حتى اليوم، معرفة السبب الذي استدعاني من أجله رئيس الفرع، ولماذا تصرف معي الحيوان بهذه الطريقة...
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية