على مرأى من دكاترة وموظفي كلية طب الأسنان بجامعة دمشق وداخل ما يُعرف باتحاد طلبة سوريا تم تقييد الطالب "أيهم غزول" وضربه على بطنه ورأسه بالعصا وقلع أظافره وثقب آذانه، وحينما أُغمي عليه سكبوا عليه ماء مغليأ ثم جروه فاقداً للوعي إلى سيارة الأمن التابعة لسرية المداهمة في الأمن العسكري (215) التي كانت تنتظر في باحة الكلية -حسب شهادة طالب أدب انكليزي اعتقل وعُذب معه أيضاً- ليقضي الشاب العشريني تحت التعذيب بتاريخ 11 تشرين الثاني نوفمبر/2012 دون أن يتم إخبار عائلته إلا بعد أكثر من سنة ونصف من استشهاده، ودون أن يتم تسليم جثته التي عُثر على صورتها فيما بعد ضمن 53،275 صورة هرّبها الضابط المنشق قيصر لضحايا الموت في مراكز الاعتقال التابعة للأسد، وظهرت على جبهته لصاقة قماشية دوّن عليها "جثة للسرية 215" المعروفة بسرية المداهمة وحملت الرقم 320 فيما دوّن على ورقة ألصقت على صدره الرقم 2129.
ولد "أيهم مصطفى غزول" في مدينة "دير عطية" بريف دمشق عام 1987 بعد 13 عاماً على ولادة أصغر إخوته، أتم دراسته في ثانوية المتفوقين في "دوما" ودخل كلية طب الأسنان وتخرج منها بدرجة جيد جداً.
وتقدم بعدها للدراسات العليا، وكان قد حضّر رسالة الماجستير عند اعتقاله في المرة الأولى، عمل في المركز السوري للإعلام وحرية التعبير واعتقل للمرة الأولى مع فريق العمل ورئيسهم "مازن درويش" من قبل فرع الجوية في المزة، وتنقل حينها في العديد من الفروع الأمنية والفرقة الرابعة ليتم تحويله بعدها إلى سجن عدرا بعد أن تمّت محاكمته مع ستة زملاء آخرين أمام القضاء العسكري بتهمة "حيازة وثائق ممنوعة ونشرها" بهدف قلب نظام الحكم ليفرج عنه بعد 86 يوماً من الاعتقال وروت والدة الشهيد الشاب "مريم الحلاق" لـ"زمان الوصل" أنها علمت بوجوده مع رفاقه في "جوية المزة" منذ اليوم الأول لاعتقاله وحاولت كثيراً الاطمئنان عليه وإيصال ملابس شتوية له وراجعت الأركان والإدارة الجوية في ساحة التحرير بدمشق وكل الفروع الأمنية المتواجدة في المربع الأمني في "كفر سوسة" بدمشق، فكانت الإهانات والشتائم تنهال عليّها من الضباط والعناصر، وبعد حوالي ٧٠ يوماً تمكنت من مشاهدته أثناء المحاكمة في القضاء العسكري ليفرج عنه بعدها.
بعد الإفراج عنه تابع أيهم دراسته وتواصل مع منظمات المجتمع المدني وحضر عدة ورشات عن العدالة الانتقالية في بيروت وبعد ستة أشهر من الحرية اعتقل ثانية من حرم جامعة دمشق في كلية طب الأسنان بتاريخ 5/11/2012.
وتسرد محدثتنا وهي إحدى مؤسسات "رابطة عائلات قيصر" نقلاً عن أحد رفاق ابنها في الاعتقال أنه تعرض لتعذيب شديد وكان يُجلد يومياً لكونه طبيباً وابن بلدة موالية للنظام (ديرعطية) وبقي فاقداً للوعي لخمسة أيام، وحين طلب المعتقلون من السجان إسعافه لأن جسده بدأ بالإزرقاق أجابهم بنبرة خالية من الإنسانية والرحمة: "بس يموت خبرونا".
بعد ٣ شهور من اعتقاله خرج طالب في كلية الآداب من فرع الأمن (215) بتاريخ 31/1/2013، وأبلغ أحد طلاب كلية طب الأسنان عن استشهاد أيهم وعن طريق صحفي كان صديقاً لعائلة أيهم تم إخبارهم باستشهاده بتاريخ 11/11/ 2012.
وروى أحد رفاق "أيهم" في المعتقل اللحظات الأخيرة في حياة "أيهم" في المعتقل بعد حفلة تعذيب وحشية قائلاً "اقترب مني أيهم وقال لي: "أنا متعب للغاية وأريد أن أنام فقط" قلت له: تعال وضع رأسك على ساقي. بعد 45 دقيقة جاء حراس الأمن لتنظيف الممر الذي كنا نجلس فيه، حاولت وقتها إيقاظه لكنه لم يرد".
وبقيت محدثتنا عاماً ونصف وهي تبحث -كما تقول- عن حقيقة هل فعلا استشهد أم أنه لا زال حيّاً إلى أن استلمت شهادة وفاته في 12/5/2014، ولكنها لم تستلم جثته أو أي شيء من مقتنياته كهويته أو جواز سفره أو موبايله ولم تعرف مكان دفن الجثة رغم إلحاحها -كما تقول- شأنه في ذلك شأن آلاف ضحايا التعذيب والمصير المجهول.
وفي الشهر الخامس من عام 2015 تعرّف الناشط الحقوقي "بسام الأحمد" الذي كان يعمل في توثيق الانتهاكات على صورة "أيهم" بين صور ملف "قيصر"، وقد كان اعتقل معه في الاعتقال الأول، وظهرت على جبهته لصاقة قماشية دوّن عليها "جثة للسرية 215" المعروفة بسرية المداهمة وحملت الرقم 320.
وأردفت والدة الشهيد الشاب بنبرة مؤثرة بأنها كانت تشعر أنه على قيد الحياة ولم تفقد الأمل رغم كل الحقائق إلى أن أتت الصورة لتجعلها توقن أنه استشهد فعلاً وانقطع الأمل من رؤيته، ولم يكتف النظام بقتل الطبيب المسالم بل أخرج عائلته من بيتهم المملوك لخاله الإعلامي "توفيق الحلاق" في دمشق ليستولي الأمن السياسي عليه.
وكانت عدة شهادات لناجين من الاعتقال بالفرع (215) قد أفادت -للشبكة السورية لحقوق الإنسان- عن حوادث يومية للموت بسبب التعذيب، تصل في بعض الأحيان إلى 25 حالة وفاة، مما يجعله الفرع صاحب المرتبة الأولى في حالات الموت بسبب التعذيب بين جميع الأفرع الأمنية بسوريا.
وبحسب المصدر يُعد ذلك الفرع أقل الفروع الأمنية التي ينجو منها المعتقل مقارنة بالأعداد الكبيرة التي تدخله يومياً.
فارس الرفاعي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية