بعد مماطلة ومحاولات إنكار وتهرّب، اعترفت المملكة السعودية رسمياً، أن الصحافي جمال خاشقجي "ميت" بيد أن ميتته، وفق الرواية السعودية، نتجت عن مشاجرة داخل القنصلية السعودية بإسطنبول، لتبقي نفسها في دوائر متعددة، من الغباء والعرضة للابتزاز، بل وربما أكثر.
إذ ونتيجة تباين واختلاف التصريحات، ضيّق حكّام المملكة، أو بصيغة أدق، الملك سلمان وابنه محمد، الخناق حول رقبتيهما، فإن تغافل الجميع عن تصريح بن سلمان لوكالة "بلومبرغ" الأمريكية، ومنذ اليوم الثاني لتغييب خاشقجي، وتناسى الجميع تصريحات الملك الأب، إن عبر التصريحات أو خلال مكالماته برؤساء عدة، منهم الأمريكي والتركي، وقفز الجميع على الروايات الإعلامية والتجييش الذي اعتمدته المملكة عبر مطارقها الصحفية، وسائل كانت، كجريدتي "الحياة" و"الشرق الأوسط"، أو تلفزات كمثل "العربية" ومجموعة "إم بي سي"، أو ما ساندها من إعلام إماراتي أو مصري، أو أشخاص كان لهم حضور عربي، إن لم نقل مصداقية، كمثل "نديم قطيش" و"غسان شربل".
إن تعامل الجميع مع تلك المناورات ومحاولات طمس، أو قلب الحقائق، أليس السؤال البدهي الآن، وبناء على الرواية المهلهلة "شجار" أن يسأل الجميع عن الجثة وعن سبب إخفاء حقيقة الموت خلال الشجار طيلة عشرين يوماً.
بمجمل الأحوال، ثمة من يريد للمملكة مزيداً من الغرق، وهو وحده من يقدم تلك الحلول الإخراجية الغبية، لينقلها من طور تنازل إلى آخر ومن مرحلة إحراج وابتزاز إلى أخرى، لترى نفسها بالنهاية، أمام واجب إعلان كامل رواية الجريمة، حتى وإن ألبستها لغير من أمر وأوعز، لتضحي بعشرين ضابطاً ومستشاراً ورجل أمن وطب تخصصي، وربما أيضاً، لن تمر.
لو سألنا عن أهم الأسباب التي دفعت بجريمة جمال خاشقجي لتكون قضية رأي عام دولي، واستحال على المملكة، أن تخفيها وتطمسها أو تغير الأسباب والنتائج، كما فعلت ولم تزل، على الأقل خلال العامين الأخيرين، مذ لمع نجم الوريث محمد وبدأت تنحية وتصفية الأمراء وأصحاب الرأي والمعارضين.
ربما شهرة جمال خاشقجي لها دور مهم بالأمر، وقد يكون لإقامته منذ عامين بالولايات المتحدة وكتابته مقالة دورية بكبرى صحفها دور آخر، كما لتصميم تركيا على التحقيق وكشف الحقيقة، دور قد يكون ثاني أهم أسباب طفو قضية مقتل خاشقجي على سطح الاهتمام الإقليمي وربما العالمي.
قلنا ثاني أهم الأسباب، لأننا نحسب الدور الأول ناله الإعلام، لأننا رأينا وعبر نحو ثلاثة أسابيع، حملات إعلامية مركزة ومنظمة، ربما لم يك لها سابقة، رغم الجرائم المرعبة التي اقترفها طغاة المنطقة خلال العقد الأخير، وفي سورية خصوصاً، من جرائم قتل تحت التعذيب وقتل عبر القصف، فضلاً عن القتل تجويعاً وغرقاً وقهراً.
وبرأينا، وإن ثمة خروجا عن صلب الموضوع، لو أتيح لجرائم بشار الأسد من كشف وحملات إعلامية، كالتي نالها مقتل الصحافي خاشقجي، لاستحال ربما على الأسد الابن ومن يدعمه، تمرير مقتل وإعاقة نيف ومليون سوري.
عود على بدء، ثمة سيناريوهات قليلة، ستمر بها تحقيقات وعقابيل جريمة مقتل خاشقجي، بعد طور الاعتراف السعودي.
منها، أن يتم رمي أكباش فداء بوجه المحرقة، وتُرفع بالتوازي أرقام الرشى والتنازلات السعودية، وخاصة لواشنطن، فتمر الجريمة، كما مرت سواها من جرائم بالمنطقة، كانت ربما أوجع وأكثر ألماً وفجوراً وفقاعة.
أما السيناريو الثاني، أن يتم تقديم وعود، لترامب خاصة، أن محمد بن سلمان لن يبقى بالحكم، بعد أوامره بقتل خاشقجي، ولكن بعد أن تمر "زوبعة الجريمة"، فيتم استعادة من هو أولى منه لولاية العهد ويبعد "الشاب الطموح" عن الأنظار أو تتلقفه وأمواله واشنطن أو غيرها من العواصم الديمقراطية حول العالم.
وربما بالسيناريو الثالث، يرى الملك سلمان أنه أمام مأزق، إن استمر الإعلام وأنقرة وواشنطن بالضغط، فيعزل محمد ويأتي بأحد إخوته، أو أبناء عمومته، على الأقل، بحل تسكيني مرحلي.
ليأتي السيناريو الرابع، الذي يكون خلاله مقتل الصحافي جمال خاشقجي، بمثابة شرارة شبيهة بمقتل التونسي محمد بوعزيزي، فيسرّع انفجار الشارع الخليجي المحتقن والمهضومة حقوقه، فتكون بداية، ربما لسنوات، قد تغيّر من ملامح المنطقة وخارطة النفوذ، حتى عالمياً.
وهو، السيناريو الأخير، سيأتي بأول نتائجه، على وحدة المملكة وتفتيت قواها وإمكاناتها، الروحية والاقتصادية، وهو، على الأرجح، سيفيد من يرى بالمنطقة بقية إرثه الامبراطوري أو يتربص بالمنطقة شراً، كما تحسب أن ضياع السعودية لا يتمناه معظم من طالب بكشف حقيقة مقتل خاشقجي وضرورة لجم تمادي وجرائم الشاب الوريث المتهور.
ببساطة، لأن تهديم المملكة، ليس في صالح المنطقة ولا الحلم العربي بالتحرر والديمقراطية، إذ ثمة حلول، يمكن عبرها، الاستفادة من نقاط قوة السعودية لتكون في صالح الأحلام العربية، أقلها تنحية وإبعاد المجرمين عن سدة القرار والذين وجدوا برشى الولايات المتحدة، ضماناً لبقائهم بالحكم وإبعاد مملكة النفط والرمال عن عدوى الربيع العربي.
نهاية القول: إنها لعنة الدم ولا شك، ليس دم خاشقجي الذي أراد أن يقول لا للديكتاتورية، وإن بصوت منخفض، أراد أن يعبر عن رأيه بتشتيت المملكة وتبديد قواها، أراد أن يومئ لمخاطر مسيرة المملكة بعد تجهيز بن سلمان ليرث حكم وملك أبيه.. وأراد أن يشير لدور المملكة بدعم الثورات المضادة وخنق الثورة السورية.
بل ودم السوريين أيضاً، إذ لم يمض وقت طويل لينسى السوريون أو يتناسوا، أن المملكة أول من أرسلت دعماً مالياً لنظام بشار الأسد مطلع الثورة لوأد التظاهرات، ولا ينسى السوريون أن المملكة دعمت الفصائل الراديكالية ومولت من رأى بالثورة السورية العظيمة، انتفاضة طائفية، ولم يتغافل السوريون أيضاً، عن دور المملكة بتشكيل التمثيلات السياسية وزجها بمن تريد ويدور بفلكها وعشائرها، ليمثل حلم السوريين، بل وحاولت عبر مؤتمري الرياض ولم تزل، أن تسوّق الواقعية السياسية، فغيرت من بنية المعارضة ورعت ولم تزل، أنصار الحلول الانهزامية التي تبقي على بشار الأسد وتسعى لرتوش تفصيلية، من قبيل تعديل الدستور والمشاركة الهامشية بالحكم.
أكيد نأمل بقصاص، وإن إلهي، من المملكة وما فعلته بالمنطقة والثورات العربية، ولكن قصاص بحجم الذنب وليس بحجم ردود الأفعال أو الأحقاد، لأن بتقسيم المملكة أو تهديمها، صفعة أخرى لأي أمل، لكل الحالمين بالمنطقة.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية