خاشقجي وخاشقجك.. فؤاد عبد العزيز*

صديق صحفي، يتصل بي يوميا ومنذ اختفاء "المواطن" جمال خاشقي في سفارة بلده في إسطنبول، ليقول لي إنه أصبح يشتهي الموت، لولا ما يقال حول تقطيعه بالمنشار.
ومن وجهة نظره، أن جمال الخاشقجي كان سيموت عاجلا أم آجلا، لكن فرق أن يموت على قارعة النسيان، أوفي أحد المشافي البعيدة عن بلده، وبين أن يصبح موته قضية دولية.
وهو يرى أيضا، أن الغرب لن يدع هذه القضية تمر دون إرغام السعودية على دفع ثمن باهظ، ليس لأهمية جمال خاشقجي بالنسبة لهم، وإنما لأن الطاغية الغبي، غالبا ما يفتح شهية الآخرين لافتراسه، حتى لو لم يكونوا جائعين.
وبالنسبة لي، وردا على الهجوم السوري على الاهتمام العالمي بقضية شخص واحد، في الوقت الذي لم يكترث فيه لمأساة شعب بأكمله، قلت لطالبي رأيي حول الموضوع، إن ما جرى في السعودية وما سيجري لاحقا، هو أكبر بكثير من أن يكون دافعه حادثة اختفاء جمال خاشقجي، ولو لم تقع هذه الحادثة، لكان الغرب اخترع حادثة أخرى، وأطبق الخناق على المملكة وكما يجري اليوم.
لكننا نحن السوريين، ومنذ بدء مأساتنا قبل أكثر من سبع سنوات، أصبحنا لا نرى ولا نقيس السياسية العالمية سوى من منظار قضيتنا الشخصي، بينما لو تأملنا قليلا في الأحداث التي تجري حولنا، لأدركنا أنه لا يوجد دولة عربية، بمنأى عن الحريق الذي شب في سوريا واليمن وغيرها من الدول، بل إن نزوع دول المنطقة نحو الديكتاتورية المطلقة، ليس إلا ردة فعل من قبل هذه الأنظمة لحماية نفسها من الحرائق القادمة، لأنها تعتقد أن الدول الغربية تستخدم شعوبها، لتنفيذ هذه المخططات.
ولا بد أن أذكر في هذا المجال هذه الحادثة التي مرت معي قبل نحو خمس سنوات، عندما شاءت المصادفات أن ألتقي بأحد سفراء الدول العظمى خلال دعوة خاصة على العشاء، ويومها قال لي بالحرف الواحد: ليس أمام العرب سوى التحالف مع الأتراك والإيرانيين، لكي يدفعوا البلاء القادم إليهم من الغرب.
وقتها لم آخذ كلامه على محمل الجد لأنه كان في حالة سكر شديد، ولم يخطر ببالي أن هؤلاء عندما يسكرون فإنهم يصبحون أكثر صدقا ووضوحا.
لذلك نستطيع أن نقرأ الموقف السعودي، ردا على التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات في حال ثبت تورط المملكة في مقتل خاشقجي، من خلال التلويح بالارتماء في أحضان روسيا وإيران وحزب الله، ليس على أنه ردة فعل، أو تهديد معاكس لأمريكا، بل هو استراتيجية جديدة تعمل عليها السعودية بكل طاقتها ومنذ فترة ليست بالقصيرة، وقد ذكرت مصادر مطلعة، أن السعودية تحاول بالفعل التواصل مع إيران لإنهاء حرب اليمن بما يحفظ ماء وجهها، ومقابل علاقات جديدة بين البلدين، غير أن إيران هي التي ترفض التوصل إلى حل، لأنها ترى أن المملكة أوغلت كثيرا في علاقاتها مع أمريكا في سبيل تثبيت حكم محمد بن سلمان، كما بالغت كثيرا في عدوانيتها اتجاه جيرانها في المنطقة، الأمر الذي يجعلها في موقع لا يمكن الوثوق به استراتيجيا.
وحدنا نحن السوريين، لازلنا غير قادرين على قراءة الموقف الدولي بعيدا عن تفاصيل مأساتنا.. ولازلنا نتعامل مع قضية جمال خاشقجي على أنه رجل سعودي لا بد أن يقابله رجل سوري، ويتم التعامل معه بالمثل.
يا أخي، المشكلة ليست من هو الأهم: خاشقجي أم خاشقجك..؟ المشكلة أن دولا برمتها لن تكون موجودة في المستقبل القريب، أو بعد أسبوعين من رفع الحماية الأمريكية عنها، كما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب..هذا الكلام لم يتم إطلاقه على سبيل التهريج والابتزاز كما نعتقد، بل هو استراتيجية النظام العالمي الجديد، الذي اتخذ قرارا بالاستيلاء على ثروات المنطقة العربية، بأي طريقة وبعيدا عن الأدوات الأخلاقية التي لازلنا نتغنى بها.
وكنت قد كتبت سابقا في بداية الثورة السورية، أن سوريا ليست هدفا استراتيجيا بحد ذاته، وإنما هي البوابة التي سوف ينفذ منها الغرب نحو باقي دول المنطقة الغنية بالنفط والغاز، وكان على هذه الدول أن تدعم الثورة السورية، وتحارب إلى جانبها كتفا إلى كتف، من أجل إسقاط هذا النظام، لأنه في النهاية هو الذي جر البلاء على المنطقة، وهو الأداة التي استخدمها الدول الكبرى، لتنفيذ مخططاتها في منطقة الشرق الأوسط، بما فيها في تركيا وإيران..لهذا نجدهم يتقاتلون، أي الغرب، على إعادة تأهيله بشتى الطرق، ولو كان رحيله خيرا لهم، لما أبقوا عليه لحظة واحدة بعد أول مجزرة ارتكبها بحق شعبه، لكنهم يعلمون جيدا كم هو عميل رائع هذا الذي اسمه بشار الأسد.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية