حينما تقرأ، بنشرات الأخبار ووكالات الأنباء وتقارير مؤسسات دولية، حقوقية وإنسانية، قُتل في سوريا زهاء مليون إنسان، وأنت البعيد عن الحرب التي أعلنها نظام بشار الأسد على الثورة، فسيأخذك ولا شك "المليون إنسان" وربما لا تسأل أصلاً عن القاتل وطرائق القتل، وخاصة، إن اتبعت "التقارير" لعبتها القذرة، بعبارات من قبيل الحرب الأهلية الدائرة بسوريا، أو زجت بأسباب وأطراف، للتعمية عن القاتل الحقيقي.
وتقرأ، وإن بصيفة الماضي، أفعال أخرى، من قبيل تهديم 3800 مدرسة بسوريا ووصول نسبة الطلاب المتضررين، لنحو 81% " 38% تضرر كلي وخروج عن مقاعد الدراسة و43% تضرر جزئي" وأن نحو مليون طفل سوري بعمر الدراسة، جلهم خارج صفوف المدراس أو يتلقون التعليم بطرائق وأمكنة غير متخصصة.
فسيأخذك الخبر إلى تهديم أجيال سوريا المقبلة، وعلى أهمية ووجع هذا الجانب، لكنه أبعدك عن السبب والمسبب الحقيقي لتهديم الإنسان والمدارس.
وهكذا من قبيل هذه الأخبار التي تشمل القطاعات الإنتاجية والخدمية، والتي لا تتجاهل المسبب فحسب، بل وأخذها الجاني طرائق لبقائه، ولعل في مساومة إعادة الإعمار اليوم، ومحاولات إعادة إنتاج نظام الأسد كرمى لحصص بخراب سوريا، دليلا على النهج الذي تكرّس بسوريا، منذ تحوّلت النظرة من شعب يطالب بحرية وعدالة لشعب يريد إسقاط النظام وتتالت طرائق التشويه لتتجلى بأقذر صورها، بعد جريمة قتل السوريين بغوطة دمشق 2013، فاكتفى العالم باستلام أداة الجريمة وترك المجرم، لتنتهي هذه الآونة، بعرض كل ما جرى ويجري بسوريا، عبر أفعال ماضية ومبنية للمجهول، وكأن كائنات فضائية، هي من قتلت وهدمت وشردّت. وأوصلت الخسائر بسوريا اليوم، إلى أكثر من خسائر الحرب العالمية الثانية.
والنهج مستمر، لطالما أجدى نفعاً وتكسباً وبقاء على كرسي التوريث، فبالأمس على سبيل المثال "كشفت الشركة السورية للنفط عن إجمالي الخسائر النفطية الناتجة عن تأجيل وفوات إنتاج وسرقة النفط من قبل (الإرهابيين)، والتي وصلت إلى 252 مليون برميل بقيمة 2623 مليار ليرة سورية، وذلك منذ بداية (الأزمة) حتى النصف الأول من العام الجاري (2018)".
فهل من يقرأ هذا الخبر، سيتذكر من سلم آبار النفط للتنظيمات الكردية والمتطرفة منذ عام 2013، أو يمكن أن يخطر له على بال أن يسأل أين كان يذهب الإنتاج، حينما كانت تسيطر عليه "داعش" وأن تحقيقات دولية أكدت أن الأسد من سلم الآبار ويقايض نفط داعش والأكراد، بل وخرجت عقوبات من وزارة الخزانة الأمريكية بحقه منذ ذاك.
نهاية القول: ثمة أمران، ربما هما الأهم والأخطر بالأمر.
الأول، أن معظم من يستعرض الخسائر والجرائم بسوريا، بمن في ذلك وسائل الإعلام المحسوبة على المعارضة، وقع بفخ "المبني للمجهول"، وقلما يتطرق لمن اقترف الجرائم وتسبب بالخسائر، وهذه السقطة وعبر التراكم، ستزيد الاهتمام بالحدث ونتائجه وتتناسى الجاني.
وأما الأمر الثاني، فهو القصدية الدولية من "الخلط" خلال التقصي والتحقيق، فهي لا تستخدم "نائب الفاعل" فحسب، وثمة مساع لتغيير الفاعل وتوجيه الأنظار نحو أجزاء من الأضرار، فنرى على سبيل الذكر، لن تتم عملية إعادة الإعمار قبل التسوية السياسية، دون التركيز على الذي هدم ومحاسبته.
ونرى أيضاً، أن المساعدات الدولية تراجعت للاجئين أو الخوف من تدفق اللاجئين، دون التفكير بعودتهم بعد إسقاط ومحاسبة من شردهم، وهكذا من أمثلة لا حصر لها، ربما آخرها بـ"دعابة" الدستور واللجنة الدستورية، وكأن مشكلة السوريين بدستورهم وأن من ورث السلطة لثماني عشر سنة عن أبيه التي وصلها عبر انقلاب، إنما جاءا وحكما وفق الدستور وحسب الدستور.
يمكن للمصالح أن تزيد من "المبني للمجهول" ولكن لأجل، وهذا ما على جميع السوريين وعيه، إذ لا بد من يوم، تختلّ خلاله المصالح وتبدأ المحاسبة، وقتها، ستنطلق المحاكمات من الأفعال المعلومة، فحبذا ألا نكرس في الخلط والمجاهيل، بمعادلة هي الأوضح وقضية هي الأعدل بالتاريخ الحديث.
*عدنان عبد الرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية