هل ستشهد إدلب اجتياحاً كالذي شهدته بقية مناطق خفض التصعيد، إن بالغوطة أو درعا، أم لإدلب خصوصية تنطلق من مسائل عدة، بمقدمتها، أنها آخر منطقة محررة ولا يمكن تكرار كذبة نقل الرافض للهدنة لمنطقة أخرى، ولأن فيها زهاء أربعة ملايين سوري لم يبق لهم ملاذ ولا جغرافيا غير إدلب، ولأن الحدود بوجه من فيها مغلقة ولا يمكن لأهليها حتى الفرار من الموت والقصف.
وأيضاً، لأن فيها مائة ألف مقاتل ويزيد، وفيها ممن يوصفون أو يصنفون بـ"الإرهابيين"، وفيها وعليها ما يصعب ذكره هنا.
ما يعني، أن إدلب تختلف وبالمطلق عن باقي مناطق سوريا، وذلك لاعتبارات جغرافية، فضلاً عن الأسباب التي أتينا عليها، أو التي لم نأت عليها لاعتبارات كثيرة.
حتى الآن، وبعد قمة طهران، التي جمعت "الضامنين" جميع المؤشرات، وإثر الخلاف بين تركيا من جهة، وإيران وروسيا من جهة ثانية، تدلل على غلبة احتمال الحرب على إدلب، وإن بصورة وشكل وكيفية، غير محددة بعد.
بيد أن لإدلب الكبرى، درجة من الخصوصية، لا تتعلق فقط بأن من فيها، ليسوا لقمة سائغة، لا لروسيا ولا لميليشيات الأسد وإيران، فإن ارتكب هؤلاء الغزاة حماقة القصف والمعركة، قد لا يستطيعون إيقافها أو التكهن بنتائجها وصيرورتها، فمناطق الأسد أو تمركز الاحتلال الروسي، ليست بمنأى عن الأذرع النارية لثوار ادلب، كما أن ثمة من يتربص روسيا، لتقدم على هذه الحماقة، ليدخل، وعلى الأرجح، بشكل لم تتوقعه موسكو...بعد حالات التردد والقيادة من الخلف، أو حتى التوريط ودفع بوتين للمستنقع السوري كما يراه كثيرون.
هذا إن لم نأت على موقف تركيا، والذي ينطلق من مصالحها طبعاً، لأن التخلي عن إدلب، سيعيد الاضطراب للداخل التركي ولن تأمن من تصنفهم أنقرة بالإرهابيين، من عصابات البي يي دي النسخة السورية عن البي كي كي، كما أن بالتخلي عن إدلب تركياً، يختلف عن صنيعة حلب، على أهمية حلب حتى بالحلم العثماني، إذ يأتي البعد هنا معنوياً ويتعلق بما تبقى من مصداقية تركيا، والتي ستدفع أيضاً أثماناً على صعيد التهجير، فهي الجوار الوحيد ولا يمكنها الصمت أو الإبقاء على الحدود مغلقة بوجه المدنيين، إن تكررت حالات الإبادة التي اعتمدتها روسيا والأسد، خلال معارك الغوطة ودرعا.
هنا، نعود لسؤال قديم متجدد، من أغلى وأكثر فائدة بالنسبة لروسيا، إدلب أم تركيا؟!
آخذين بالاعتبار وعود بوتين الذي تأن بلاده تحت وطأة التضخم النقدي والتململ من حرب دخلها بوعود وتواريخ، فغاص بوحولها لدرجة عدم القدرة على الخروج.
أغلب الظن ومن منظور نفعي وسياسي أيضاً، أن تركيا أهم والمحافظة على ودها والتحالف معها، لا يقارن أصلاً باحتلال إدلب.
فتركيا لم تزل عروض الغواية الأمريكية تغدق عليها إن تراجعت ولو خطوة عن التحالف مع موسكو، وتركيا ارتبطت بروسيا عبر اتفاقات بعشرات المليارات، إن بدأت من السيل ومشاريع الغاز، لا تنتهي عند بناء مفاعلين نووييّن، وتركيا الجار والملاذ لروسيا، حتى غذائياً.
فهل يمكن لبوتين، أن يجازف بكل ذلك، كرمى لوعد أبرمه بنهاية الحرب قبل انتهاء عام 2018ـ أو استمراراً بغروره أنه تفرد بسوريا وهو صاحب الحل السياسي بعد الحسم العسكري.
المنطق والسياسة يقولان لا، وربما تتراجع روسيا وباللحظة الأخيرة، عن حماقة الحرب على إدلب، وإيلاء تركيا مطالبها، من جمع الأسلحة الثقيلة و"القضاء على الإرهاب" وتكسب بذلك الحفاظ على وعودها وعلى شريك التخلي عنه سيدخلها بباب جهنم واشنطن وربما أوروبا.
بيد أن المنطق والسياسة، لم يكونا يوماً محدد الأفعال الروسية، وخاصة بسوريا، ما يعني -ربما- أن اقتراف جريمة الحرب مازالت قائمة، والتي لن تكون نزهة لأحد كما أن نتائجها مجهولة بالنسبة للجميع.
بكل الأحوال، أتمت الحرب على إدلب أم مررت بعد الاجتماع الرباعي المتوقع هذا الأسبوع بأنقرة "تركيا فرنسا ألمانيا وروسيا" ستكون خضراء سوريا بداية للنهاية، بل وتأريخاً سيكتبه رجال إدلب.
علماً أن النتائج والأثمان، وأياً كان الخيار، لن يدفعه أهل إدلب وضيوفها فقط، بل سيطاول من ادعى بداية التحالف مع الثورة السورية قبل أن تغّير مواقفه "الواقعية السياسية"، بل وقد تتطاير شرره لتؤسس لحرب يندم عليها الروس أولاَ والخليج العربي ثانيا...ويتقاسم الجميع الخراب الذي سينالهم من لعنة إدلب ومن فيها من مدنيين.
*عدنان عبد الرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية