بات من المحيّر جدا على أي سوري، أو عربي، تحديد صيغة مواقفية ثابتة من كل الأمور، يبدو من الصحّي أحياناً أن لا يحصر الإنسان نفسه بحزمة مواقف ما، في كل المناسبات، لأن من طبيعة البشر التطوّر الفكري، ومن طبيعة الأحداث التحوّل، ومن طبيعة السياقات الايديولوجيّة أن تكون مجموعة متغيّرات، غالباً، لا ثوابت فيها، تدور في سلسلة تاريخية معقّدة من أزمات سياسية وإنسانية وأخلاقية، فتثبت في مواضع وتتبدّل في أخرى، وبهذا لم يعد من قوالب مواقفية ثابتة، يمكن تطبيقها على جميع الإشكاليات والمتغيرات، إلا أنه عند ارتباط الأزمات التاريخية، بجوهر العلاقات الأخلاقية، والثابت من الأمور في الموروث الأخلاقي الإنساني، يصبح من الصعب تجنّب موقف معيّن، واتخاذ نقيضه، أو الابتعاد عنه، فمن يدخل مضمار المواقف العامة، للإشكاليات المتكررة والمتجددة، سياسياً وعسكرياً بل وبكل الجوانب الحياتية أو البنيوية لمجتمع ما، يصاب بشلل التردد بين النقائض، أو نقول الخيارات كتعبير أكثر دبلوماسية، شيء يشبه حيرة "بوريدان" وحماره الشهير، لكن على صعيد أهم وأعمق من شرب الماء، أو تناول التبن.. وهنا نرى بوضوح أزمة المواقف الحالية، التي تدور في فلك السوريين من مختلف الاتجاهات، حول بعض القضايا الأساسية، والعامة والإنسانية، والأهم، القضايا الأخلاقية.
منذ أيام قليلة، سمعنا بوفاة الروائي السوري "حنّا مينا"، الأمر العام، الذي تطلّب مواقف خاصّة، من السوريين إجمالاً، وفي الظروف غير الطبيعية التي يعيشها السوري، وربما التي تعيش فيه، نلاحظ بوضوح الإشكالية الأخلاقية التي يقع فيها كل فرد، أمام هذا الخبر الإنساني الذي يستوجب تعاطفاً بطبيعة الحال، تجاه شخصية روائية دخلت حياة الكثيرين بإنتاجها الأدبي، الشخصية ذاتها التي إذا نظرنا إليها في ظل الواقع، نراها تبتعد وتقترب من قلوب أصحاب المواقف، ابتعاد هذه الشخصية العامة "الروائي المتوفى" عن مضمار التَمَوقف السياسي الايديولوجي، وصمته لثمان سنوات، عن الأزمة الإنسانية، جعله محل مساءلة أخلاقية، عدم اتخاذ "حنا مينا" في سني حياته الأخيرة موقفاً سياسياً، أو حتى إنسانيا غير ايديولوجي (لإبعاد شبهة معارضة النظام عنه وعواقبها الوخيمة) جعل منه متردداً إنسانيا في السياق العام للفكرة، فلم يعد من المطلوب دائما المجاهرة بموقف من النظام الحاكم في سوريا، بل بات من الضرورة الأخلاقية، الاكتفاء بسماع موقف إنساني عن المأساة الإنسانية الحاصلة، لكونها صارت أزمة قائمة بمعزل عن الثورة على الاستبداد العسكرتاري وما تجرّه من ضرورة اتخاذ موقف ايديولوجي (إن لم يكن إنساني في العمق)، وبهذا أصبح الموقف من خبر وفاة "حنّا مينا" محل جدل، وإشكالية أخلاقية لدى المعلّقين عليه، في شقّ إنساني منهم يرغبون برثائه وإنزاله منزله الذي يستحق، وشقّ أخلاقي منهم يمنعهم من فعل ذلك لغيابه عن المواقف الإنسانية العامة، والايديولوجية العامة أيضاً (الثورة).
هنا يكون الأخلاقي في مواجهة الإنساني، داخل كل شخص، الجانبان اللذان طالما اعتبرا متلازمة غير منفصلة ! بهذا تضاف أزمة جديدة، أو إشكاليّة فكرية لمجموعة الإشكاليات في عمق الأزمة، المرتبطة بثورة لها من المكانة العظيمة في نفوس السوريين.
وكذلك كان الأمر في عدّة مناسبات، أو دائما ربّما، في السنين السورية الأخيرة، كالموقف من الطفلة المعتقلة عهد التميمي، الثائرة على الاحتلال الاسرائيلي (الصورة الذهنية الإنسانية والأخلاقية الأصيلة) والتي، أي عهد، في الوقت ذاته توجه كلمات شكر وعرفان لحسن نصرالله، بوصفه قائد المقاومة (الصورة الذهنية اللا أخلاقية واللا إنسانية المنحازة للقتلة)، وما يعكسه هذا الأمر من سلسلة مواقف متناقضة أحياناً، مضطربة ومتسارعة دائماً، من دعم أو انكار، على هذه العهد التي، دون أن تدري، قد حيّرت عقول متابعيها والمتعاطفين معها.
تكرر الأمر كثيراً حتى نسينا العدّ، كالموقف من فريق كرة القدم السوري، والموقف من بعض السياسيين المعارضين والتيارات السياسية السورية، الموقف من أزمة الخليج الحالية، الموقف من صدّام حُسين، الموقف من الفصائل الإسلامية في سوريا (غير الداعشية)، ومناسبات ومواقف كثيرة جدا، تتجلى فيها الإشكاليات الأخلاقية والإنسانية وتبقى عالقة لا يغيبها إلا مرور الزمن وظهور إشكالية جديدة تشغل الرأي العام.
يعتقد البعض أن الموقف الأخلاقي هو موقف إنساني بالضرورة، ويعتقد آخرون أن الأخلاقي ليس لزوما أن يكون إنسانياً، فكم من المواقف الإنسانية، تطلبت تجاوز عتبة الأخلاق الطوباوية. لكن المحنة تستمر، وربّما ليس من المهم تحديد ما هو أخلاقي وما هو إنساني، أو غير ذلك، ربّما كانت هذه الإشكاليات، بوصفها مستندة على أحداث واقعية معاشة، تولّد مواقف جديدة أهم من كونها موسومة بالأخلاقية أو الإنسانية، الأهم انها تولّد صراعات فكرية واعية، تجدّد من العقلية المحليّة ذات المواقف الجاهزة التي تنتظر التطبيق على كل أمر، ربما هي مخاض فكري ينتظر ولادة مفاهيم تكرّس ما هو أخلاقي وإنساني، لتكون حدوداً جديدة لطريق التفكير الرتيبة، والمؤطّرة في ما هو مألوف من المواقف، حتى إن كانت خاطئة، وتجعل ما هو قادم من أحكام، مبنيا على ما يجب أن يكون أخلاقيا وإنسانياً، وبهذا تعطي قيمة للموقف، بالفعل والتطبيق، أكثر منه نظريّة دارجة وللقياس فقط لا غير.
بهذا تكون محنة المواقف السورية، تحُل إشكاليتها بنفسها عبر تضارب المواقف، ورفع ما هو إنساني وأخلاقي على ما هو ايديولوجي وسياسي أو أي شيء آخر، فهذا هو الأهم مادام الأخلاقي والإنساني، نقيض الاستبدادي والدكتاتوري الشمولي بالضرورة، عندها لن يعود للمجاهرة بموقف ما، ضرورة يقف عندها الكثيرون.
*سعد الربيع - صحفي وكاتب سوري
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية