
كشف مصدر وثيق الصلة والاطلاع عن سجن بالغ السرية جرى تشييده بداية عهد بشار وفي محيط قصر الشعب، أبرز قصور النظام وأكثرها اتساعا في بنائه والمناطق "المحظورة" المحيطة به، والتي يطلق عليها من يعرفها "قطاع القصر".
المصدر الذي التقت به "زمان الوصل" في إحدى الدول الأوروبية، باح لنا بتفاصيل السجن السري الذي أسهم شخصيا في تشييده، عندما كان يخدم في إحدى قطعات الحرس الجمهوري، التشكيل العسكري الأول المسؤول عن حماية الأسد ومعاقله في العاصمة.
*بديل "الطاحونة"؟
وقال المصدر إن العمل في السجن السري الواقع على مقربة من قصر الشعب بدأ نهاية 2002، أي بعد نحو سنة ونصف من تولي بشار، الذي افتتح عهده بالحديث المتواصل والمكرر عن الإصلاح والتطوير.
وانطلق تشييد المعتقل السري بأمر مباشر لعقيد المظلي مروان محمود (يتحدر من الشلفاطية بريف اللاذقية) قائد ورشة البناء في كتيبة الخدمة 289 بالحرس الجمهوري، حيث اصطحب عناصر الورشة وكان مصدرنا منهم إلى الموقع، محاولا التعمية على هوية السجن ومدعيا أمام العناصر أنه بديل عن سجن "الطاحونة" الذي اشترته وزارة الإعلام بناء على حد زعم الضابط.
ويقع سجن "الطاحونة" مباشرة خلف مبنى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وسط مدينة دمشق، في موضع بين الهيئة ووزارة التعليم العالي، وهو سجن مخصص أساسا لاعتقال عناصر وضباط الحرس الجمهوري ممن يقدمون على أي تصرف "مشبوه" في نظر النظام، ولهذا السجن سمعة سيئة للغاية، وهو ما يزال قائما حتى اللحظة.
وبغض النظر عن كذب ادعاءات العقيد قائد ورشة البناء في الكتيبة 289، فإن مصدرنا وبقية عناصر الورشة شرعوا في بناء السجن، مستحضرين في بالهم عواقب أي بوح بمكانه أو شكله، وهي عواقب يمكن أن تذهب بالشخص إلى ما وراء الشمس.
استمر العمل بالسجن قرابة سنتين ونيف، وشارك مصدرنا بنفسه قبل تسريحه في تشييد بناء كبير (مهجع) في هذا السجن أبعاده تعادل: 30 مترا طولا، 16 مترا عرضا، 4.5 أمتار ارتفاعا، وتم تقسيم هذا المهجع إلى زنازين موحدة الأبعاد (290 سم x 260 سم تقريبا)، تفصل بينها ممرات بعرض متر تقريبا.
وإلى جانب مهجع الزنازين، تم بناء حمام جماعي للمعتقلين، وغير بعيد عنه مكاتب المسؤولين عن إدارة السجن، وأحيط كل ذلك بمحارس برجية (نقاط حراسة مرتفعة).
في البداية، بنى عناصر الورشة الجدران الداخلية للزنزانات من البلوك، لكن قائد الحرس الجمهوري حينها "علي محمود حسن" زار المكان وأمر بهدم هذه الجدران، وإعادة تشييدها من الباطون (الإسمنت المسلح) وعلى ارتفاع 2.5 متر، يتم إكمالها حتى ارتفاع 4.5 أمتار بالبلوك.
وتعطي زيارة قائد الحرس للسجن دلاله على حساسية هذا المعتقل، الذي لم يرض أن تكون جدرانه الداخلية سوى من الباطون.
ولعل جزءا من هذه الحساسية تجلى أمام مصدرنا وهو يعمل أحد الأيام ضمن ورشة السجن (نهاية 2003)، حيث تم إحضار حافلتين عسكريتين كبيرتين (من اللون الزيتي) محشوتين بأناس كبار في السن وذوي لحى طويلة، وهو ما يرجح أنهم معتقلون قدامى، بدأ النظام في نقلهم إلى المكان، من معتقلات أخرى، ربما يكون أحدها سجن تدمر.
في تلك اللحظات لم يكن مصدرنا ولا غيره، يجرؤ على الاستفهام عن هوية هؤلاء، ولا حتى محاولة معرفة أي معلومة عنهم، لأن هذا السلوك وحده كان كافيا بأن يصبح نسيا منسيا في سجون النظام، هذا إن لم يتم إعدامه.

المصدر كشف لجريدتنا عن أنه كان وما زال يتابع وباستمرار أي تحولات على موقع السجن السري، من خلال الصور الجوية لإحدى التطبيقات المتخصصة، وقد بينت له متابعته المتواصلة أن النظام وسع السجن خلال السنوات الأخيرة، وأضاف له مبنى لم يكن موجودا عندما غادر مصدرنا المكان (عقب تسريحه).
وزود المصدر "زمان الوصل" بالصور الجوية اللازمة التي تكشف موقع السجن السري وأبنيته، كما رسم بيده مخططا مبسطا لهذا السجن.
*انبحوا
لم يكن المعتقل السري الشيء الوحيد الذي لاحظه مصدرنا، أو عمل به أثناء تردده إلى قطاع القصر (يمتد قطاع القصر على مساحات واسعة تمتاز بطبيعتها الوعرة وطرقاتها المتفرعة إلى عدة أماكن حساسة، منها قصر ماهر الأسد، مكتب الأمن التابع للحرس الجمهوري، كتيبة الكيمياء...).
فقد عمل المصدر أثناء خدمته العسكرية في بناء "مقر قيادة" تحت الأرض بنحو 20 مترا، يطل على مطار المزة العسكري، الذي يضم بدوره معتقلا كبيرا تديره مخابرات النظام.
وتم تشييد "مقر القيادة" من الباطون المسلح بشكل كامل (أرضية وجدران)، وعندما اكتمل تقريبا تم طلاؤه بالقار (الزفت الأسود) ضمانا لعزله، فأصبح من يراه من فوق يشبهه بمنظر الكعبة، وقد حصل بالفعل أن العقيد "مروان المحمود" جمع عددا من العناصر "الحلبيين" بالذات، وأمرهم بأن "يطوفوا حول الكعبة" حسب قوله، على أن يكون دورانهم مصحوبا بالنباح كالكلاب، وقد شهد المصدر بنفسه حفلة التعذيب، التي كان العقيد "محمود" واثنان من أبناء أخته (من آل جابر) يساعدانه فيها (الشلفاطية مسقط رأس العقيد مروان محمود، هي مسقط رأس رمز الإجرام الخطير وممول الشبيحة الأبرز وملك البراميل "أيمن جابر"، وشقيقه محمد).
وكان هذا المشهد، كافيا من وجهة نظر مصدرنا ومن عاينه، لفهم رسالة ضابط الحرس الجمهوري، في إذلال عناصر من طائفة معينة وإهانة معتقداتهم بشكل مقصود.
ومرت الأيام ليكتشف المصدر مزيدا من المواقع الحساسة في محيط "قصر الشعب" والسجن السري، فقد حضر إليه ذات مرة العقيد "مروان المحمود" وأمره بأن يركب معه في سيارته ذات الدفع الرباعي لإنجاز "مهمة"، وما هو إلا وقت قصير حتى صارا أمام كتيبة الكيمياء التابعة للحرس الجمهوري، والواقعة في "قطاع القصر"، والتي سبق لمصدرنا أن زارها من قبل.
ولكن "الزيارة" كانت هذه المرة مختلفة، حيث ولجا برفقة عناصر آخرين إلى نفق مجاور للكتيبة مدخله مؤلف من 4 أبواب، باب على فم النفق عادي الطراز حتى لا يلفت النظر، وخلفه 3 أبواب مصفحة، كل باب منها عرضه 3.5 أمتار وارتفاعه حوالي 4 أمتار، أما سماكته فهي بحدود 25 سم.
وضمن هذا النفق شاهد مصدرنا عددا من الخبراء الكوريين الشماليين، أتوا للإشراف على تركيب أجهزة لشفط الهواء من النفق.
لم يستطع مصدرنا التجول داخل النفق، لأن مهمته كانت محدودة بالمساعدة على تركيب أجهزة الشفط، ولا تجرأ طبعا على السؤال، لكن ما لفته وجود النفق بجوار كتيبة الكيمياء مباشرة، مع وجود خبراء كوريين، وهو ما يرجح أن يكون النفق منشأة من منشآت تخزين السلاح والذخائر الكيماوية، اعتمادا على موقعه وتصميمه (الأبواب المصفحة، أجهزة الشفط..).
وسبق لـ"زمان الوصل" أن انفردت بتقرير عن مقر "زوبع" الكيماوي، قدم فيه أحد العاملين وصفا يشابه الوصف الذي قدمه مصدرنا بخصوص الأنفاق وتصميم أبوابها أنظر الرابط:
*بلا عودة
وبما إن مصدرنا يعلم يقينا موقع هذا النفق ومدخله ومخرجه، فقد أتيح لنا سوية قياس طوله الافتراضي على أحد التطبيقات فظهر أن طوله يقارب 500 متر (نحو نصف كيلومتر).

وأفاد المصدر أن متابعته المتواصلة للصور الجوية الخاصة بالمنطقة، أظهرت أن النظام عمد في أعقاب مجزرة الكيماوي الكبرى صيف 2013 إلى إخلاء كتيبة الكيمياء، تحسبا لقصف مفترض لها أو تمويها على فرق التفتيش، التي أتت لاحقا من أجل الإشراف على تدمير البرنامج الكيماوي للنظام.
واستدل المصدر على فرضية إخلاء كتيبة الكيمياء، بأن الصور الجوية لم تعد تظهر تلك السيارات التي كان بعضها يتوقف في المكان سابقا.
وفضلا عن السجن السري والنفق المجاور لكتيبة الكيمياء التابعة للحرس الجمهوري، فإن ذاكرة مصدرنا ما تزال تستحضر وبكل قوة صورة مكتب الأمن (الحرس الجمهوري)، الواقع أيضا في "قطاع القصر"، حيث كان ملزما بالذهاب إليه لتوقيع "براءة الذمة" قبل تسريحه (براءة الذمة وثيقة على كل عسكري مهما كانت رتبته أن يوقعها من مختلف القطعات التي لها علاقة به، لتشهد له أنه بريء الذمة من أي متعلقات كانت في عهدته بدءا من السلاح والذخيرة وانتهاء بالبوط العسكري).
ففي تلك الفترة، نصح صف ضابط متطوع من الطائفة العلوية مصدرَنا أن لايذهب بمفرده لتوقيع "براءة الذمة" من مكتب أمن الحرس، ووعده بمرافقته، وعندما رافقه أشار له إلى باب نفق يقع ضمن حدود المكتب، وأخبره أن السيارة التي تدخل إلى هذا النفق، تدخل بلا عودة هي وجميع من يستقلها (يبدو مكتب الأمن واضحا، وبجانبه باب النفق وفق ما توثقه الصور الجوية المرفقة للمكان).

ويشير المصدر في ختام شهادته إلى أن الخدمة في الحرس الجمهوري عموما، وضمن قطاع القصر خصوصا كانت تحمل حساسية عالية للغاية، وتضع صاحبها تحت مراقبة شديدة من حيث يدري ولا يدري.
ومن شأن هذه المراقبة المترافقة مع الشكاية والنكاية أن تجعل العسكري في هذا المكان عرضة للاعتقال والتعذيب الشديد لأدنى شبهة، بل وربما يكون مصيره الاختفاء نهائيا، كما حصل مع عسكري من منطقة الغوطة، عثر بحوزته على دفتر يدون فيه مذكراته، فاعتبر عميلا واختفى أثره تماما.


إيثار عبدالحق- زمان الوصل- خاص
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية