في الأيام الأولى للثورة في العام 2011، وإبان حصار درعا، لم يكن أمامنا سوى محافظة السويداء، لنتبضع منها حوائجنا ونشتري الخبز والشموع والخضار وكل شيء تقريبا، لأن النظام قرر قطع كل وسائل الحياة عن كامل محافظة درعا، بما فيها مياه الشرب.
لقد انهال الآلاف من أهالي حوران على أسواق السويداء، وخلال العودة إلى قرانا وبيوتنا كنا نتعرض للكثير من الاستفسارات عن موقف "الدروز" من الثورة، وهل هم متعاطفون معنا ويتعاملون معنا برجولة وبإنسانية، أم ينظرون إلينا بعدوانية..؟
في الحقيقة، كل من ذهب إلى السويداء في تلك الفترة، لاحظ حجم التعاطف في العيون، والأيدي التي كانت تشد على أيدينا عندما كانوا يعلمون أننا من درعا.
وكيف أن أحدنا كان يدخل إلى المحل ليشتري كامل الكمية من الشموع مثلا، فيعترض صاحب المحل، بأن هناك غيرنا من درعا بحاجة إليها، وأنه من الضروري أن ندع لهم شيئا.
لقد تنفست درعا طويلا من رئة السويداء في أحلك الظروف التي مرت بها، والآلاف من الأهالي انتقل بسكنه إلى هناك واستقر لسنوات، ومنهم من لا يزال يقيم فيها حتى يومنا هذا، ولولا أن أهالي السويداء غير متعاطفين مع الثورة، لما استطاع أحد الإقامة بها، شأنها شأن كل المناطق التي توصف بالموالية.
ويمكن القول إنه من بين كل مجتمعات الأقليات في سوريا، كانت السويداء علامة فارقة في تعاملها مع الثورة السورية، صحيح أنها لم تنضم كمحافظة للثورة، لكنها كانت حاضنة معادية للنظام، ومواقفها ضد ارسال أبنائها لقتل اخوانهم من السوريين، هو لوحده موقف كبير وشجاع أمام سلطان جائر ، ويدلل على مدى الحكمة والعقل التي يمتلكها أبناء هذه المحافظة، ومن جهة ثانية هو موقف يستدعي من كل أبناء الشعب السوري الثائر ، أن يقدروه وأن يكون لهم دور واضح في حماية أبناء هذه المحافظة، مما يحاك لها من أدوات النظام الفتاكة.
النظام من جهته كان يدرك أن أهالي حوران قد لا يقفون متفرجين، إذا ما تعرضت السويداء لهجوم من قبل تنظيم "داعش"، لذلك هو أجل هذه الخطوة إلى ما بعد الانتهاء من محافظة درعا وسحب جميع أسلحتها، ثم أوعز لأدواته القذرة كي تقوم بالمهمة الموكلة إليها.
لا أحد يعلم اليوم حقيقة، حجم الحقد الذي يكنه النظام لهذه المحافظة، وما الذي يريده من أبنائها من أجل أن يركعهم من جديد، لكن الشيء المؤكد، أن هذا النظام وبحسب خبرتنا به، هو نظام مجرم و"حقير" وليس هناك حدود لحقده، ولديه الاستعداد لأن يبيد نصف الشعب السوري وأكثر ، من أجل أن يبقى على كرسي الحكم، ويضمن لفترة طويلة عدم ظهور حركات احتجاج مشابهة.
لذلك نقول، كان الله في عون السويداء وأهلها، فهم على موعد مع الكثير من الفنون الإجرامية التي يتمتع بها النظام ويتقنها، والتي قد لا تكون "داعش" سوى حلقة من حلقاتها الأولى، بينما كما نعلم، فإن في جعبة هذا النظام الكثير من الألاعيب، مثل مسلسل الاغتيالات والتفجيرات مجهولة الهوية، والتي قد تقض مضجع المحافظة لفترة طويلة.
ليس لدينا الكثير لنقوله لأبناء هذه المحافظة وما يجب عليهم فعله، فهم شئنا أم أبينا، رجال، ويعرفون كيف يدافعون عن أنفسهم. والأهم من كل ذلك أنهم لا يتنازلون عن ثأرهم حتى لو وصل بهم الأمر لملاحقة قاتلهم إلى أقصى بقاع الأرض. ولعل ذلك أكثر ما يرعب النظام، ويخشاه.
إنه يريد بالضبط أن يغير بوصلتهم عن القاتل الحقيقي لهم، لكن كتابات المتنورين من أبناء السويداء فاجأته، فعلى الرغم من كل محاولاته لإبعاد الشبهة عنه، إلا أنهم واجهوه بأنه هو سبب قلتهم وأنه هو من احاك بليل كل ما يتعرضون له وسوف يتعرضون.
*فؤاد عبدالعزيز - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية