يبدو من خطاب الجميع -معارضة وأعرابا وأصدقاء الشعب السوري- أنهم استسلموا للأمر الواقع في أن بشار الأسد باقٍ ويتمدد لما بعد ما كان يحلم به، وأنه انتصر وانهزموا، وأنه يعيد ترتيب كرسيه كما يشاء، وأن العربان من الجوار يهرعون لرضاه ويتمنونه، وحتى الدولة العظمى التي كان يعوّل عليها الجميع في أن تترك هامشاً للمناورة لصالح المعارضة هي من تقف وراء إعادة إنتاج الأسد الجديد.
من هذه الرؤيا التي يشتهيها الأسد وصنّاعه سيخرج الشكل المعدّل لسوريا الجديدة، سوريا التي جهد الأسد في إنتاجها متهالكة مدمرة ليقدر على هضمها ومن ثم القبض عليها بفكه الأمني والاستبدادي، ومعه كل أصحاب المصلحة في بلد تابع أكثر ما يمكن أن يكون دوره مجرد شرطي يحمي حدود الدولة المدللة الدينية، واسرائيل اللاهوتية ستشبه جداً دولة الطائفة المترنحة على حدودها.
أما أولئك المنافحون عن ألأسد - من قومجيين ويساريين، ومرتجفون من دولة الإسلام التي تتآمر عليهم- فسيقبلون بأقل ما كانوا عليه وربما دونه، ودولة التعددية والعلمانية ستكون دولة الأسد الإيراني الشيعي، وعليهم أن يباركوها بعد أن انتشرت المزارات، وسمح التغيير الديموغرافي بأن تكون السيدة زينب قبلتهم، وسنرى في قادم الدولة الأسدية ميس كريدي ومنى غانم وقدري جميل يسبحون بحمد الأسد وخامنئي.
العائدون إلى حضن الوطن طوعاً أو غصباً سيتحولون من أنفسهم لمواطنين من الدرجة الثانية، والمدن التي تهدمت سيعودون إليها ويستجدون الكهرباء والماء والصحة، وهذه الكنتونات الصغيرة ستشبه المعتقلات مع فارق بسيط في كون السماء حاضرة فوق رؤوس ساكنيها، وسيسمح لهم النظام بنسيان شهدائهم ومعتقليهم، وفقط الترحم عليهم سراً ليس تهمة أما أكثر من ذلك فللحيطان آذان.
الأبطال والشهداء والجرحى ونساؤهم وأطفالهم...هؤلاء سيتاح لهم التعلم والصحة بقدر بسيط، وأما الحيتان والتجار والفاسدون والقتلة سيكون لهم مناصب في الدولة العليا، وسيشكلون الأحزاب، ويشكلون مجلس الشعب وفق الدستور المتوافق عليهم بين المنتصر وداعميه، وأما المعارضة فلن تخرج من الموسم بلا حمص فالضفادع ستحظى بمنابر ومقاعد وأسهم في الدولة العليا الجديدة.
ذيل الكلب سيصبح كلباً برعاية روسية إيرانية وموافقة أمريكية، وسيعوي على العرب المتخاذلين الذين سيجرون لمرضاته ليس خوفاً منه ولكن من أصحابه، والإمارات تفكر حالياً بإعادة سفيرها إلى العاصمة دمشق وبالتأكيد لن تتأخر العراق وجزائر بوتفليقة ولبنان جبران باسيل عن اللحاق برعاة الأسد من العربان، وستتهافت الوفود من أحزاب العروبة والدم الواحد والمصير المشترك للتبريك والتضامن مع الأسد الذي انتصر على إرهاب الشعب.
بالتأكيد...ستدخل سوريا في تيهها الجديد، وسينتظر أهلها لحظة تاريخية ليعيدوا أجساد أبنائهم المهترئة إلى الذاكرة، وستبقى هتافات المظاهرات الأولى كابوساً على الطغاة وحلماً للباحثين عل أول فرصة للصياح مرة أخرى...فمن ستنسى ابنها المقتول بهتاناً، أو ابنه المذبوح، وحفيده المحروق بأعقاب السجائر، وابنته وأمه وزوجته المغتصبة حتى الموت.
*ناصر علي - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية