أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

مكاشفات منتصف الطريق.. فؤاد عبد العزيز*

نازحون من قصف النظام على درعا - جيتي

في منتصف المسافة بين مطار الملكة علياء في عمان، ومطار شارل ديغول في باريس، وددت وقتها، ومنذ أكثر من خمس سنوات ونصف، لو أنني أستطيع إيقاف الطائرة والعودة إلى الأردن من جديد. لقد عشت هناك حالات ثورية فريدة من نوعها، شعرت في كثير من المرات خلالها، أنني أحد قيادات الثورة الفاعلين، ومن القادرين على صناعة الرأي العام الإعلامي.

ركنت رأسي على شباك الطائرة، وظللت طوال الرحلة التي استمرت لنحو خمس ساعات، استعيد شريط الذكريات والأحداث التي عاصرتها في الأردن، ثم أجبرتني على مغادرته.

أخذت أتذكر صوت ضابط المخابرات الأردني، الذي لم يمل من الاتصال بي يوميا ويطلب مني، بأدب جم، أن أزوده بأسماء الناشطين في الداخل وتحركاتهم وخططهم، بالإضافة إلى تحركات المسلحين والفاعلين.

كان يبرر طلبه، بأنه لمصلحة الثورة والثوار، بينما كنت أتهرب منه بأنني أعد دراسة كاملة عن الموضوع، وحالما أنتهي منها سوف أزودهم بها، فيزيد إلحاحه علي بأنه ينوي الاطلاع على ما أقوم به، ويطرح خدماته بأن نتعاون سوية بإعدادها.

مرة، وبينما كنت في غرفة الفندق الخاصة بالعقيد أحمد النعمة، رئيس المجلس العسكري في المنطقة الجنوبية، أغلق الباب بإحكام، ثم طلب مني أن أعطيه رأيي بما سيريني إياه بعد قليل. 

مد يده إلى ركن ما في الغرفة وأخرج منه ورقة مطوية كثيرا، ثم فردها ووضعها على السرير، وطلب مني أن أتأملها جيدا. 

كانت عبارة عن خريطة لمحافظة درعا، بالغة الدقة، وقد تم تقسيمها لثمانية قطاعات، لم يخطر ببالي أن أسأله، وقبل أي شيء، سوى من قام بإعداد هذه الخارطة..؟ فأجابني على الفور: المخابرات الأمريكية..!

لاحظ علامات الدهشة على وجهي، فأردف: صدقني لو نتحالف مع الشياطين، المهم أن نتخلص من هذا النظام..!

كانت في تلك الفترة قد بدأت تتضح معالم سقوط النظام أكثر من أي وقت آخر، وأتحدث هنا عن الشهر التاسع من عام 2012، إلا أن المنطق الذي تحدث معي به النعمة، كان يشير إلى معركة طويلة الأمد قد تستمر لسنوات وسنوات.. 

فالأمريكان وضعوا خطة للتغطية الإعلامية في محافظة درعا، وقسموها إلى ثماني قطاعات، يتولى مهمة التغطية في كل قطاع، إعلاميان، أي 16 إعلاميا، تم الطلب مني بشكل مباشر أن أقوم بتدريبهم، ومن ثم توزيعهم في الداخل.

في غمرة المفاوضات على تدريب الإعلاميين الـ 16، اتضح أنه سيتم إعطاؤهم كاميرات، مزودة بأجهزة تنصت لصالح المخابرات الأمريكية والأردنية، بررها النعمة يومها بأنها لرصد العناصر المتطرفة وتصفيتها، والتي بدأت تظهر في درعا حسب قوله.

لم أستسغ الفكرة، فلجأت للمقدم محمد خير الحربات، وكان يشغل منصب نائبه، وحاولت استيضاح الأمور منه، فأبدى عدم اهتمام بالموضوع، وتحدث كأنه يعطي رأيه بأكلة "منسف".

وأنا هنا أتوجه باللوم على المقدم الحربات على صمته عن تلك المرحلة، فهو يعلم عنها الكثير، ويعلم كيف تم إجهاض الثورة بدءا من المنطقة الجنوبية، وصولا إلى دمشق وريفها، وبأيدي المخابرات الأمريكية والأردنية، وكان أحمد النعمة أحد الأدوات الساذجة التي تم استخدامها، ومن ثم رميها والتخلص منها، بعد أن شعروا أن مهمته انتهت وأصبح عبئا ثقيلا عليهم. 

كان زوار أحمد النعمة كثرا ، وأغلبهم من القيادات العسكرية في الداخل، من درعا وحتى حمص مرورا بدمشق.. وكنت اجلس معهم، نتناول الفطور والغداء سوية، ثم نصلي العصر والظهر جماعة.

الكثيرون كانوا يظنونني من العسكريين، فيسألونني عن اسم الكتيبة التي أرأسها، فيتدخل أحدهم ممن يعرفونني ويقولون له إنني صحفي.

البعض من القيادات، بالذات ممن يحملون رتبا عسكرية في الجيش، كانت تغريه كلمة صحفي، فيجذبني جانبا، ويأخذ ويحدثني عن الفوضى التي تدار بها المعارك، والتحكم بتمويلها وبإمدادات الذخيرة والسلاح.

مرة اتصل بي أحمد النعمة الساعة الواحدة ليلا، وطلب مني أن أكون عنده في اليوم التالي، الساعة السابعة صباحا، وعلى الأكثر الثامنة، بعد أن أخبرته أنني في مكان بعيد عن عمان.

عندما قابلته، كان وجهه حزينا.. فطلب مني أن ندخل إلى غرفته في مكان لا يسمعنا به أحد .. يومها قال لي بالحرف الواحد: هل تعتقد أنني عميل للمخابرات الأمريكية أو الأردنية ..؟ وتابع دون أن ينتظر مني ردا أو رأيا: كل ما أفعله هو لأجل الثورة .. والله العظيم أنني في الليل أشتغل عتالا، أنقل الأسلحة والذخائر بيدي هاتين إلى الداخل .. صناديق صناديق.

قطع اجتماعنا قدوم العسكريين كالعادة، وكان بينهم هذه المرة بشار الزعبي، أبو فادي، وكانت المرة الأولى التي أراه يأتي عند أحمد النعمة، بينما كنت قد التقيته عدة مرات في مدينة اربد.

سلم علي بجفاف، فأنا لم أحبه وهو لم يحبني منذ أول مرة تعارفنا فيها.. هكذا بدا لي .. كان يستخف بكلامي ورأيي، وبأنني لا أعلم ما يعلمه، وأنا من جهتي 
كنت أنظر إليه كمتسلق بارع على الثورة، وقلتها مرة للعقيد أحمد النعمة، الذي شاطرني الرأي بأنه شخص غير مريح، لكن المخابرات الأردنية هي من فرضته على المجلس العسكري، ومع ذلك، كان يصلي معنا جماعة. 

وأخيرا، أعلنت رفضي تدريب الإعلاميين، الـ 16، احتجاجا على أجهزة التنصت المرفقة بالكاميرات، فاحترم النعمة قراري، لكنه طلب مني ألا أبوح بالأمر لأحد، ثم أخبرني أن العميد إبراهيم الجباوي يبحث عني وأنه يريد التواصل معي، لأن لديه مشروعا إعلاميا للثورة يناسبني.

في تلك الفترة، توصلت لقناعة، أن البقاء في الأردن مخاطرة كبيرة لمن يرغب العمل في الثورة، وأخذت أعد العدة للرحيل، لكنني كنت قد طلبت من السفارة الفرنسية في عمان، أنني أرغب بتأجيل سفري حتى نهاية العام 2012، فندمت أيما ندم على هذا التأجيل.

في منزل العميد إبراهيم الجباوي، حدثني عن مشروعه الإعلامي الجديد، والذي كان عبارة عن إطلاق قناة تلفزيونية تحت اسم "سوريا الكرامة" والتي تم إطلاقها فيما بعد تحت اسم "سوريا 18 آذار". 

أطلعني على محادثات بينه وبين سمير متيني وبعض الأسماء الإعلامية اللامعة، من أجل أن يأتوا إلى الأردن، ويساهموا في العمل في القناة.

كان كل شيء في القناة يدار بطريقة بوليسية، أحد من التقيتهم هناك برفقة العميد الجباوي، أخرج ورقة من درج مكتبه وأخذ يملي علي سيرتي الذاتية كاملة، منذ ولدت وحتى ثرت، وعلى نفس طريقة المخابرات السورية. 

بصراحة، كل ما يجري حولي، كان يزيد من يقيني بضرورة الرحيل وبأسرع وقت ممكن، فثبت ساعة رحيلي، وحجزت تذكرة الطائرة يوم 20/كانون الأول من عام 2012، وهو ما دفع المخابرات الأردنية لاستدعائي على وجه السرعة. 

أخبرتهم يومها أن الحجز لا يعني الرحيل، ثم أن مبلغ الحجز كله 500 دينار أردني، وأنا غير آسف عليه إذا خسرته، وهو ما أدى فيما بعد إلى إيقافي في مطار الملكة علياء حتى قبل عشر دقائق من مغادرة الطائرة، وبعد أن أعطيتهم وعدا أن أحفظ السر، وهم من جهتهم ذكرونني بأن أسرتي لاتزال بحوزتهم.

قبل السفر بثلاثة أيام، طلب مني أحد الأصدقاء أن أحضر اجتماعا للأطباء السوريين في الأردن، للبحث في موضوع معالجة الجرحى، وكي أكون شاهدا على مدى سخافة بعضهم، هكذا قال لي بالحرف الواحد.. وكان بين الحاضرين الدكتور نصر الحريري، رئيس هيئة التفاوض الحالية، يومها قلت لهذا الصديق وبعد خمس ساعات من الجدال بين الأطباء، انتهت الساعة الثانية ليلا: ليتني سافرت قبل أن أحضر هذا الاجتماع .. هؤلاء قرباط وليسوا أطباء ..! فطلب مني صديقي برجاء ألا أبوح بأسرار هذا الاجتماع لأحد، وذلك حتى لا تشيع الفاحشة بين الآخرين، الأقل مستوى منهم.

في هذه الأثناء قطع سلسلة تخيلاتي، حركة ركاب الطائرة الذين أخذوا يشدون أحزمتهم، فنظرت من النافذة، فإذا بنا نقترب من أرض باريس .. إذا لم يعد هناك مجال للنزول في منتصف الطريق والعودة إلى الأردن، هكذا قلت لنفسي .. 
ومنذ ذلك اليوم وأنا غائب عن الوعي بهذه الثورة. 

قبل نحو أسبوع التقيت بالصديق الصحفي علي عيد في برلين .. فقلت له مازحا: "الله يلعن أخت هالثورة يا علي اللي خلتنا نتعرف على هيك أشكال".. فضحكنا حتى بانت نواجذنا.

*من كتاب "زمان الوصل"
(230)    هل أعجبتك المقالة (222)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي