بالأمس أصدر وزير مالية النظام قرارا بالحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة، لمدير الشركة السورية للاتصالات "بكر بكر" و9 من الموظفين والمدراء الآخرين في الشركة، دون تبيان الأسباب، أما اليوم فقد ضجت صحف النظام بتفاصيل تتحدث عن أن الحجز جاء على خلفية فساد مالي قوامها 100 مليار ليرة، سرقها "بكر" على مدى أكثر من 15 عاما.
طبعا، من الطبيعي أن ينتشر هذا الخبر كالنار في الهشيم، ويصبح حديث الناس العاديين، الذين يجلسون أمام بيوتهم في الحارات، أو في وسائل النقل، أو على أبواب الأفران وفي محطات الوقود، لأن النظام اختار اللحظة المناسبة لكي يشغل بها الناس، بعد توقف المعارك والقصف العشوائي على المدن والبلدات الموالية له، والتي بدأت تقلب جراحها بعد سنوات من انشغالها بحماية نفسها، وتشكيل اللجان والحراسات، وأحاديث البطولات والمغامرات.
لقد انتهى كل ذلك وأصبح ضروريا خلق معارك جديدة لهؤلاء "المواطنين" لكي يفسروا من خلالها أسباب استمرار بؤسهم وشقائهم، من ثم تأصيل أحقادهم وتثبيتها اتجاه الآخر الإرهابي، فهو ليس بالضرورة أن يلبس ثوب "داعش" و"النصرة"، وإنما قد يكون مديرا عاما لأهم المؤسسات الاقتصادية في البلد، ويلبس البدلة الرسمية، ويتعامل مع أحدث تقنيات العصر.
هكذا بكل بساطة يمكن فهم قضية المهندس "بكر بكر"، ابن ريف دمشق، والذي قرر ومنذ فترة طويلة، لا أن يجلس في حضن النظام فحسب، بل وأن يداعبه، وأن يفعل أي شيء في سبيل إرضائه، فكانت النتيجة أن تحول إلى سارق ولص، وأحد أسباب شقاء هؤلاء الناس وفقرهم وتعتيرهم...!
لا أخفيكم، منذ الصباح، اتصل بي صديق يعيش في مناطق الموالاة، وهو من الأقليات الطائفية، ليخبرني بأن الناس في منطقته تتحدث بأن مسؤولا "سنيا" سرق 100 مليار ليرة، وأخذ يسألني عن حقيقة الأمر، كوني سابقا كنت على علاقة جيدة بالاتصالات، وربما أني أعرف "بكر بكر" بشكل شخصي.
وحقيقة أني كنت على صلة جيدة بالاتصالات، وبالذات مديرها السابق "ناظم بحصاص"، والوزير السابق "عماد الصابوني"، أما "بكر بكر"، فعلى الرغم من أني أعرفه شخصيا، إلا أنه لم تكن تربطني به أي صلة، سوى بعض الأحاديث ذات العلاقة بعملي الصحفي، وهي في العموم كانت نادرة جدا، لأن الماء كان موجودا، فما ضرورة التيمم..؟
لكن ما كنت أعلمه عن "بكر بكر"، هو أنه كان شخصا نشيطا وحيويا، وفي البداية كان موظفا في اتصالات حلب، ثم أتي به "عماد الصابوني" عندما تسلم إدارة الاتصالات إلى دمشق، وسلمه عدة مناصب، كان آخرها معاون المدير العام للشؤون الفنية بعد أن أصبح "الصابوني" وزيرا، أي أنه كان مسؤولا عن جميع العقود التي تبرمها الاتصالات من الناحية الفنية، ولم يكن له علاقة أبدا بالأمور المادية، ثم في العام 2010 تسلم منصب المدير العام للاتصالات خلفا لـ"ناظم بحصاص"، الذي أصبح رئيس مجلس إدارة الشركة السورية للاتصالات.
ومن الضروري في هذا المقام أن نقرأ ما كتبه وزير الاتصالات الأسبق "عمرو سالم"، فيما يتعلق بقضية الحجز على "بكر بكر"، واتهامه باختلاس 100 مليار ليرة سورية.
حيث يقول: "الخبر الذي يتحدث عن اختلاس 100 مليار ليرة كاذب وعارٍ عن الصحة ومفبرك .. الموضوع خسارة تاجر لمناقصة لأسباب فنية تقدم بشكوى وهي قيد التحقّق والحجز الاحتياطي هو إجراء سليم للحفاظ على المال العام ولا يعني إدانةً لأي شخص".
وأضاف "سالم" على صفحته الشخصية في "فيسبوك": "المهندس بكر بكر المدير العام لشركة الاتصالات هو من أشرف وأنزه وأكثر موظفي الدولة وحتى القطاع الخاص كفاءةً وأخلاقاً، وتداول الأخبار والمحاولات والتشهير هي جريمة بحدّ ذاتها ومحاولة لإضعاف الدولة".
وتابع: "من يثبت سرقته أو اختلاسه فليأخذ أقصى عقوبة، أما أن ينبري العامّة إلى إصدار حكم على الناس وتلويث سمعتهم بلا معرفة أو تثبّت، فهذا أمر وضيع".
وختم "سالم" الذي تولى وزارة الاتصالات وخرج منها بفضيحة مالية في العام 2007، طالت "بكر بكر" أيضا ومدير الاتصالات في حينها "هيثم شدياق، "لدينا دولة قائمة قادرة تقوم بالتحقّق، وبكل تأكيد ستصل إلى الحقيقة وستعلنها ولسوف يحصل كل ذي حقّ على حقّه ولا يجوز لي ولا لأحدٍ أن يناقش أو يحلّل أو يدين أحداّ على هواه قبل أن تصل الدولة إلى النتيجة".
نهاية القول: ما دام الأمر قيد التحقيق، فلماذا يروج النظام لقضية الاختلاس على هذا النحو، وما ضرورة النشر في وسائل الإعلام، إذا لم تتم إدانة المختلس حتى الآن ..؟!
الجواب: فتش عن رامي مخلوف .. فكل قضية تخص الاتصالات، لا بد أن يكون له إصبع فيها، وهو ما كان يحدث في جميع الفضائح التي تطال الاتصالات.
أما هذه المرة، فعلى ما يبدو فإنه وضع يده كله فيها .. أي في الاتصالات.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية