نغرق كسوريين بالأحداث الآنية التي نراها أو تقهرنا، بعد انزياح الثورة وتعامي العالم بأسره عن جرائم الأسد وروسيا وإيران، بل ووقوف "العالم الديمقراطي" علانية، بوجه حرية وتحرر السوريين، ولعل في رسالة واشنطن لثوار درعا بالتخلي أخيراً، بعد إعلان الولايات المتحدة كضامن لأولى مناطق خفض التصعيد، آخر دليل على الدعم لنظام الأسد، ليسجل انتصاراً على جثث السوريين، بصرف النظر عن تراكم الأحقاد وتعميق الكراهية ومستقبل البلاد المرشح حتى اليوم، لأسوأ السيناريوهات، ربما أبسطها التقسيم.
بيد أننا، أو قلما ننشغل بما يحاك لسوريتنا، على الصعيد الاجتماعي والأخلاقي، والذي لا يمكن أن يكون مصادفة أو ضمن سياق وصيرورة، بعد غض النظر والدعم والتشجيع، من نظام، على الأرجح لا يمت بأي صلة لهذا البلد والشعب، وإلا لكان أظهر بعض الغيرة والحرص، ولو بالحدود الدنيا ومن مبدأ "على عينك يا تاجر".
قصارى القول: قرأت -كما كثيرين غيري- قبل أيام، عن ضبط قوى الأمن بنظام الأسد، ملهى ليلي في منطقة "مشروع دمر" غربي العاصمة دمشق، تجري بهذا الملهى المفتوح منذ نحو عامين، ولا يبعد أكثر من 150 متراً عن مفرزة لفرع المداهمة "215" حفلات دعارة ولواطة جماعية وترويج للمخدرات.
الخبر نشرته وسائل إعلامية بدمشق ومحسوبة أو مقربة من نظام الأسد، بمعنى لا مجال للاتهام بالتجني أو استهداف نظام الأسد "الشريف" وأيضاً يبرر طرح سؤالين فقط.
الأول لماذا تم الآن، اقتحام الملهى الذي يقيم حفلات للمثليين منذ نحو عامين، وبعلم النظام وإشراف أمنه المباشر الذي يؤمن مرآب لسيارات الزبائن ويقاسم الداعرات جني وعرق أجسادهن.
والسؤال الثاني، وفق أي القوانين عمل هذا الملهى، وهو واحد من 4000 ملهى لبيع الجنس والمخدرات بدمشق فقط، علماً أن القانون السوري يمنع مهنة بيع الجنس، بل وسوريا عضو باتفاقية قمع الإتجار بالنساء الموقعة في نيويورك عام 1950.
وقبل محاولة الإجابة على هذين السؤالين، تعالوا نكمل "النقل بالزعرور" ونعيد لذاكرتكم خبرين اثنين، أيضا نشرتهما وسائل إعلام من دمشق، وبكل فخر واعتزاز.
يقول الخبر الأول: سجلت مدينة جرمانا الخاضعة لسيطرة قوات النظام في ريف دمشق وجود أكثر من 200 بيت دعارة بالإضافة إلى انتشار كبير في الملاهي الليلية، إلى الحد الذي دفع موالون لإطلاق اسم "لاس فيغاس دمشق" على هذه المدينة، التي باتت الدعارة عنواناً فيها في ظل تحفيز سلطات النظام لمثل هذه الظواهر في المناطق التي تسيطر عليها.
وقالت صفحة "أخبار الهاون بدمشق" الموالية في منشور لها على "فيسبوك"، "يوجد نحو 200 منزل في جرمانا تنشط في مجال الدعارة، ويعمل في كل منها خمس نساء وسطياً، وتقدم (لاس فيغاس دمشق) خدمات جنسية رخيصة قياساً بالبيوت المنتشرة في أحياء العاصمة الراقية.
وأما الخبر الثاني فيقول حرفياً: بين وزير الداخلية محمد الشعار أن إحصائية المواد المخدرة المضبوطة في سورية خلال العام 2017 وصلت إلى 1.73 مليون كيلو غرام حشيش عبر 5595 قضية و7113 متهماً. و13,459 كغ هيروئين مخدر و36 غرام كوكائين مخدر و8,746,054 ثمانية ملايين وسبعمئة وستة وأربعون ألفاً وأربع وخمسون حبة كبتاغون.
وأيضاً، واحد مليون ومئتان وستة آلاف ومئة وثمان وستون حبة دوائية نفسية و1,346 كغ مواد أولية لصناعة المخدرات و30351 كغ قنب هندي و1,70 كغ مسحوب أوراق الحشيش و48 غ ماريجوان.
ولئلا يظن قارئ، أن العام الفائت كان عام مخدرات وأقلع الشعب السوري الذي يعيش بكف ورعاية الأسد، يوضح الخبر "مشكوراً" أن إحصائية المواد المخدرة المضبوطة لعام 2018 وصلت إلى 2593 قضية و3329 متهم و679,740 كغ حشيش مخدر و180,56 غ هيروئين مخدر و20,34 غرام كوكائين مخدر و1,845,270 مليون حبة كبتاغون و503,437 حبوب دوائية نفسية و21,232 كغ قنب هندي و18 كغ مواد أولية لصناعة المخدرات.
أي أن التعاطي بهذا العام، على الأرجح ستكون نتائجه أكثر من العام المنصرم، ربما لأن النظام يؤثر على التطوير والتحديث ولم تعرف بياناته التراجع قط.
نهاية القول: ربما الإجابة الأرجح، على السؤال الأول" لماذا تم اقتحام ملهى مشروع دمر" أن ثمة خلافا على "الحسبة" بين الداعرات وأمن الوطن، وما يرجح هذه الإجابة، أن مصادر أكدت الإفراج عن أصحاب المحل و"القوادين" الذين يؤمنون الزبائن، بمعنى تم نقل الملهى إلى مكان آخر، ولكن تحت عين ورعاية النظام وأمن المداهمة.
وأما إجابة السؤال الثاني، فهي سهلة ولا تحتاج عناء البحث والاستنتاج، فهذا النظام الذي يدعي القومية بالعلن ويطبق أضيق مفاهيم الطائفية والعشائرية على الأرض، من الطبيعي أن يوقع على اتفاقيات منع الإتجار بالنساء، ويمارس وآله الدعارة التي تدر عليهم أرباحاً.
وعلى سيرة الأسئلة التي سنترك عناء البحث عن أجوبة لها للقارئ العزيز فهي، من أين تأتي هذه الكميات الهائلة من المخدرات لسوريا الأسد، وهل للصديق الوفي إيران التي تعد رائدة بزراعة وتجارة المخدرات عالمياً دور بالقضية، أم يتحمل حزب الله الذي يزرع الحشيش علناً وبإشراف مباشر من قادة الحزب، مسؤولية تأمين "الكيف" للشعب الصديق.
وأما الأوجع بأسئلتنا، ترى لماذا يؤثر نظام بشار الأسد على تفشي ورعاية المخدرات والدعارة في سوريا، هل المسألة لها علاقة فقط، بإلهاء الشعب وتغييبه عمّا يجري ويحضّر له ولسوريته...أم القصة أبعد من ذلك، تتعلق ربما بعدم انتماء هذه العصابة للأرض والشعب، وتتعامل بفكر التدمير الممنهج وعلى الصعد كافة..وربما من مبدأ "الولد يلي مو من ضهرك، كل ما جن افرحلو".
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية