أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

ملاعب السياسة! .. محمد الحمادي*

من المباراة الافتتاحية فى كأس العالم - جيتي

لم أكن في يوما من الأيام رياضيا أو متابعا لأي نوع من أنواع الرياضات، ولطالما أبديت استغرابا كبيرا عند سماع بعض الأصدقاء يتكلمون عن قوائم الأندية المختلفة واللاعبين ذوي الأسماء الصعبة، وكنت أقول في نفسي كيف لهؤلاء مناصرة فرق تفصلهم عنها بحار ومحيطات، وليس لهم في شأنها لا ناقة ولا جمل، فهم إن فازت لن يحملوا الكأس معها، وإن خسرت شاركوها الحزن طواعية، وباتوا ليلهم في كآبة كمن خسر عزيزا على نفسه.

كنت أظن الرياضة نوعا من أنواع الترفيه، لكني اكتشفت غلطي مؤخرا، فبعد انطلاق مونديال كأس العالم الذي يجري في روسيا ومن قبله التصفيات التي شارك فيها "منتخب البراميل"، تيقنت بما لا يترك مجال للشك أن الرياضة وجه آخر للسياسة، كما الاقتصاد والعسكرة، فجميع هذه الأمور تدور في فلك السياسة ولا تحيد عنها قيد أنملة، وإن كانت الرياضة تمثل الحالة الناعمة ظاهريا، لكن ثناياها العميقة تخفي حمم العلاقات الدولية الملتهبة والجاهزة للانفجار وصهر أي شيء يقف في وجهها على سطح هذا الكوكب.

تساءلت في نفسي مع بدء أول مباراة بين السعودية وروسيا، كيف لبلدين يقفان على طرفي نقيض في سوريا أن تسود بينهما العلاقات الودية ولو لدقائق معدودة، وكيف للسعودية التي تدعي مناصرتها للشعب السوري أن تقبل بالمشاركة في هذا المونديال الملطخ بدماء الأشقاء من السوريين، لكني عدت وتداركت المشهد بعد رؤية "محمد بن سلمان" إلى جانب "فلاديمير بوتين" تكاد تقتله الابتسامة، وتذكرت في نفس اللحظة زيارة الملك سلمان ذاته لروسيا العام الماضي، محملا بمليارات الدولارات لدعم الاقتصاد وصناعة السلاح بعقود شراء منظومات الدفاع الجوي (اس 400).

يبدو أن كل ما جرى بين هذين البلدين (روسيا والسعودية) على الأرض السورية كان عبارة عن مباريات ودية، توجت قبل أيام بالنهائية في موسكو، وأقول هنا نهائية لأنه لم يعد يوجد فصائل محسوبة على السعودية، فالغالبية صالحت وقبلت بالتهجير، وكل هذا تم لمصلحة روسيا التي تسارع الزمن لإعلان انتصارها. 

جرت العادة بعد انتهاء الحرب، أن يخرج المنتصر بالمهرجانات الخطابية والكرنفالات الاستعراضية، وها هي روسيا تحتفل اليوم بنصرها على أطفال حلب والغوطة بمهرجان كأس العالم، يشاركها فيه من أطلقوا على أنفسهم "أصدقاء الشعب السوري" وربما بوتين شرب معهم نخب النصر في الحرب وأكثروا جميعا من قرع كؤوس "الفودكا" واستراق النظرات إلى الحسناوات الروسيات اللواتي جذب جمالهن حضورا أكثر مما جذبت الفرق ذائعة الصيت. 

أنا على ثقة بأن بوتين ناقش مع ضيوفه مسألة "إعادة تأهيل الأسد"، وسبل إحياء العلاقات الدبلوماسية معه، وأنا على يقين مطلق بأن الحضور أبدوا عدم معارضتهم لبقاء الوريث القاصر، فلو كان بينهم معارض واحد للجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري، لما رأينا كل هذا الاهتمام، ولكان الأمر مجرد مشاركة فرق فقط دون حضور قادة وزعماء، كما حدث مع العائلة الحاكمة في بريطانيا التي قاطعت المونديال بسبب، اغتيال روسيا لعميل على الأراضي البريطانية.

لا أريد الحديث عن بقية الفرق العربية المشاركة، فحال مصر يعرفه الجميع، ومثله الحال التونسي، أما المغرب ربما أنساها البعد الجغرافي ما يحدث للشعب السوري على يد الروس وعاملهم في دمشق بشار الأسد، لكن حديثي عن السعودية التي تعرف جيدا أن السوريين وثورتهم أبعدوا عنها الخطر الإيراني بعد أن أفشلوا مشروعها الطائفي؛ ألهذا الحد لا تستحق الدماء موقفا شجاعا وصادقا مبنيا على أواصر الأخوة في المشرب واللسان والتاريخ.

ما زلت أذكر جيدا أيام طفولتي عندما كنا نلعب كرة القدم، ويختلف أحد أبناء الحي مع أحد أبناء الأحياء الأخرى، فإن مباريات كرة القدم كانت تعلق إلى حين يتم الصلح، ولعل أول حدث تفتتح به مرحلة الصلح هو مباراة ودية بين الحيين، ذهابا وإيابا، أما هذا الذي يجري اليوم في روسيا، فهو تعبير عن حالة رضا من جميع المشاركين عن المستضيف وأفعاله في العالم، ومن يقول "علينا فصل الرياضة عن السياسة" أقول له إن السياسة لا تنفصل عن شيء في هذه الحياة.

*محمد الحمادي - زمان الوصل
(221)    هل أعجبتك المقالة (238)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي