كتبت على صفحتي الشخصية في "فيسبوك" بالأمس، ما يشير إلى انتقادي إلى أسلوب اللعن والشتم الذي انتهجته الثورة السورية منذ انطلاقتها، لأن ذلك أصبح معيارا لثورية البعض، ومفتاحا لتولي مناصب سياسية وقيادية في المعارضة.
والحق، أنني وجدت تفاعلا وقبولا لفكرتي هذه، من عدد كبير من السوريين المعارضين، الذين اتفقوا معي بأن الثورة السورية، اختصرت، عبر أسلوب اللعن والشتم، العمل في السياسة والثورة على حد سواء.
وتأكيدا لهذه الفكرة، قال لي صديق قبل أيام بأنه يشعر بأنني لا أقسو كثيرا على النظام من خلال كتاباتي، ويقصد أنني لا أشتمه، محاولا أن يوحي بأنني ربما أحفظ خط الرجعة عبر هذا الأسلوب في الكتابة.
وهذا شيء مؤسف ومضحك بنفس الوقت، أن يكون مقياس معارضتنا للنظام ومدى قوته وشدته مرتبط بقدر استخدامنا للألفاظ البذيئة في وصفه والحديث عنه.
بينما القاموس السياسي مليء بمصطلحات، من وجهة نظري، أشد قسوة من الشتائم وأكثر تعبيرا منها.
على أي حال، مرت بالأمس الذكرى السنوية 18 لموت حافظ الأسد، وهذه الذكرى أصبحت منذ أكثر من سبع سنوات، مناسبة لشتمه ولعن روحه من قبل جمهور كبير من الثورة، وخصوصا من أولئك الذين عاصروه وذاقوا الويل في عهده، بل إن الكثيرين يحملون المسؤولية فيما تمر به سوريا حاليا، إلى حافظ الأسد ذاته، والدولة الأمنية التي بناها، فلولا أنه سلم مقاليد الحكم لابنه الذي يفتقد للأهلية لتولي هذا المنصب، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.
والكثيرون يعتبرون أيضا، أن حافظ الأسد ما زال يحكم سوريا إلى الأن من قبره، لأن شيئا جوهريا في الوضع لم يتغير مع بشار الأسد، سواء لناحية السياسة الخارجية أو السياسة الداخلية ، فمن كانوا يسرقون على زمن الأب في السر وفي الخفاء، أصبحوا يسرقون على زمن الابن في العلن، وكذلك العلاقة مع إيران وحزب الله، بناها حافظ الأسد كأحد مستلزمات استمرار حكمه في ابنه من بعده، وهو ما حصل بالفعل، وحتى العلاقة مع وروسيا وفكرة طلب النجدة منها مقابل إعطائها قاعدة بحرية في طرطوس، وليس في اللاذقية، هي ليست من اختراع بشار الأسد، بل هي فكرة الأسد الأب بامتياز، وقد فعلها أكثر من مرة، في السبعينيات وفي العام 1981 عندما تم الاتفاق مع السوفييت على كل الترتيبات لحصولهم على قاعدة في طرطوس مقابل حماية حكمه في دمشق، إلا أنه تراجع عن الاتفاق في اللحظات الأخيرة، وكان ذلك من الأسباب التي دفعت الاتحاد السوفييتي، فيما بعد للابتعاد عنه ونعته بالكذاب، غير أن الأب لم يكن ليهتم، بسبب ظهور حليف جديد وقوي له، وهو نظام الخميني في إيران.
لذلك، يرى الكثيرون أن هذه الثورة هي على حافظ الأسد وليس على بشار، إلا أن هذا الأخير يتلقى الضربات نيابة عن والده، لأنه أراد له، لا أن يرث الحكم فحسب، وإنما أن يرث كل تاريخه الإجرامي.
ومع ذلك، لا نرى ضرورة أن تكون مفردات لعن روح حافظ الأسد أو نعته بالمقبور، هي جزء من الممارسة السياسية للثورة والمعارضة، نستطيع عبر السياسة، أن نصفه بالمجرم والسفاح والديكتاتور، وقاتل الأطفال والنساء، والكذاب واللص والمارق، وإلى ما سواها من مفردات تحدد موقفنا بدقة اتجاهه واتجاه حكمه.
أما عبارة: "يلعن روحك يا حفاظ على هذا الجحش الذي خلفته"، فهي لعمري، رغم الموسيقى الخاصة التي تحملها، ورغم أنها خارجة من أعماق الشعب، إلا أنها أكثر ما أضرت بجمهور الثورة، وبالثورة ذاتها، لأنها كانت بالنسبة للكثيرين، إنجازا اكتفوا به من كل هذه الثورة، وعلى مبدأ.. هل تعلم ماذا يعني أن تكون قادرا على شتم ولعن حافظ الأسد، في وقت لم يكن أحد يتجرأ أن يتطلع شزرا حتى إلى تمثاله؟!
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية