أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

ما دون الهوية الوطنية وما فوقها.. فؤاد عبد العزيز*

أرشيف

لقد فرّ مؤسسو حزب البعث الحاكم في سوريا من مواجهة مسألة الهوية الوطنية، بالقفز إلى ما فوقها، إلى فكرة القومية، متجاهلين الهويات الأخرى التي يتكون منها المجتمع السوري والتي لا تنتمي إلى القومية العربية.

وإذا ما تأملنا هذا الخيار في حينه، أي في العام الذي تأسس فيه حزب البعث، قبل أكثر من سبعين عاما، فإنه يبدو مقبولا لجهة تركيبة المجتمع السوري والتي كان يغلب عليها الطابع العربي بنسبة تزيد عن 90 بالمئة، ولجهة مؤسس حزب البعث ذاته، المسيحي الديانة والذي ما كان بالإمكان أن يختار الهوية الدينية، حيث يشكل المسلمون أكثر من 80 بالمئة في سوريا في ذلك الوقت، لهذا كان من الطبيعي أن يقع الاختيار على الهوية القومية العربية، وفي هذه الحالة لا يشعر المسيحيون وباقي الطوائف الدينية بأنهم غرباء، بينما لا بأس من التضحية بهوية باقي مكونات الشعب السوري، من كرد وأرمن وتركمان وسريان وشركس وغيرهم.

في الواقع، إن مؤسسي الدولة السورية في عيد الاستقلال عن فرنسا عام 1947، كانوا أقرب للخيار الذي يعتبر أن الهوية سورية أولا وعربية ثانيا، لذلك اتفقوا على تسميتها في دستور عام 1950 بـ"الجمهورية السورية"، وتم تسمية مواطني هذه الجمهورية بـ"الشعب السوري العربي".. لكنهم بنفس الوقت كانوا يتجهون نحو الهوية الدينية الإسلامية، حيث ورد في ذات الدستور: "بما أن غالبية الشعب السوري تدين بالإسلام، فإن الدولة تعلن استمساكها بالإسلام ومثله العليا"، وهم أيضا اعتبروا بأن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع وبأن رئيس الدولة يجب أن يكون مسلما، طبعا مع التأكيد على حرية الديانات الأخرى بممارسة شعائرها بمنتهى الحرية، ومساواة مواطنيها مع باقي مواطني الجمهورية السورية أمام القانون.

هذا التوصيف، رأى فيه كثيرون في ذلك الوقت، أنه يصنف أبناء الطائفة المسيحية على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية في سوريا، ومثلهم باقي الطوائف وأصحاب الآراء التي لا تولي للدين أهمية كبيرة في حياتها، وهو ما دفعهم لتأسيس -أو الانضواء في- أحزاب علمانية، كان أبرزها حزب البعث والحزب الشيوعي، والحزب القومي السوري، لكن هذا الأخير لم يستطع الانتشار بعد ظهور جمال عبد الناصر في مصر في العام 1956، وخطابه القومي العروبي الذي ألهب مشاعر الجماهير العربية، وجعلها تشعر لأول مرة بأن هناك صوتا عاليا يوحدها.. أما بالنسبة للحزب الشيوعي، فقد كان بعيدا جدا عن قيم الشعب السوري المسلم، وبالتالي لا يمكن أن تجتمع الناس حوله.. وبقي في هذه الحالة حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي كان متوافقا إلى حد بعيد مع الأغلبية الساحقة من الشعب السوري، لاسيما وأنه لم يظهر عداء صريحا للإسلام، بل استمر في التوصيفات التي وضعها دستور 1950، بما يخص هوية رئيس الجمهورية الإسلامية، والفقه الإسلامي كمصدر للتشريع.

بالإضافة إلى فكرة القومية العربية، التي أخذت بعدا مختلفا في نفوس الشعب السوري وخصوصا بعد الوحدة مع مصر عام 1958.. استثمر حزب البعث كل ذلك للوصول إلى السلطة عام 1963، دون أن يكون هناك منافس أو معترض حقيقي عليه.

المشكلة الأساسية التي وقع فيها حزب البعث، كانت عندما تولى حافظ الأسد الرئاسة في سوريا عام 1970، فهو على الرغم من أنه يمثل حزبا يحمل شعارات ما فوق الهوية السورية، إلا أنه مارس السلطة بأدوات عززت ما دون هذه الهوية، وذلك من خلال تمكين الطائفة والمذهب والعشيرة، للعب دور خفي في عملية الإمساك بالسلطة، لكنه حافَظَ على الديكور العام للدولة، من حيث أنها علمانية وعربية وإسلامية بذات الوقت.

اليوم نحن ندفع ثمن هذه الممارسات الشاذة، التي قام بها حزب البعث وحافظ الأسد وابنه بشار في السلطة ، والتي أوحت للخارج بأن سوريا تجاوزت منذ زمن بعيد مشكلة هويتها الوطنية، ليتضح فيما بعد بأنها لاتزال في المربع الأول لبناء الدول. 

المطلوب من وجهة نظرنا، هو إعادة النظر بكل هذه التجارب التي مرت على البلد، واستخلاص الدروس والعبر منها، عند إعادة تشكيل سوريا من جديد.

*من كتاب "زمان الوصل"
(220)    هل أعجبتك المقالة (225)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي