بعد شهر فقط، من إعلان السوريين ثورتهم بمنتصف آذار 2011، كشف النظام السوري عن خططه لمواجهتها، وربما منذ 18 -4 2011، يمكن استنتاج خطط تعاطي الأسد، مع حقوق ومطالب السوريين، بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
وربما ما جرى بساحة الساعة بحمص، مساء ذلك اليوم، لم يزل محفوراً بذاكرة السوريين، كل السوريين، إذ استقطبت الساحة جميع أطياف السوريين المقيمين بحمص وريفها، من أديان ومذاهب وأعمار واتجاهات سياسية، وتم تنظيم تلك الفعالية، على نحو لم يسبقه والأرجح لن يليه مثيل، لجهة الإعداد والتنظيم والتحشيد.
ما دفع أمن النظام وقتذاك، وبعد حنثه بالوعد الذي قطعه للمشايخ والمنظمين، الذين فاوضوا الأمن حول الساحة وما قاله، بشار الأسد نفسه للجنة الحمصية الخماسية التي كان التقاها بقصره بدمشق، قبل أيام من مجزرة ساحة الساعة "الحرية"، للبدء وبعد منتصف الليل بإطلاق النار، وبعدد من أحياء حمص القديمة، طاول ساحة الساعة التي احتشد فيها أكثر من مئة ألف سوري، ما خلّف مجزرة مروعة، ربما كانت الأعنف حتى ذاك، والأكثر دموية وعلانية لما يفكر به نظام الأسد، برده على الثورة ومطالب السوريين.
ترى، لماذا تعاطى نظام الأسد بوحشية وإجرام مع متظاهري ساحة حمص، رغم أنهم سلميون ويمثلون جميع أطياف الشعب السوري، في حين كان يغض الطرف عن تجمعات أخرى، أو بدأ ينسحب من بعض القرى بشمال غرب سوريا، ويسمح أو يسهّل عمليات التسليح.
أعتقد أن الأسباب كثيرة، منها أن الخطر الحقيقي بساحة الساعة، أن المتظاهرين من كل الطوائف السورية، ما يجهض ادعاء النظام ومنذ ذاك، أن الثورة سلفية أو "سنية".
كما أن سلمية التظاهرة الكبرى ليلة 18- 4 تسحب من النظام ذريعة "الثورة المسلحة" ما يضعه بحرج، حتى أمام مناصريه بجوار حمص الذين يخوفهم من الثوار وأهداف الثورة.
وأيضاً، وقد يكون هذا السبب الأهم، أن في خلد النظام لحمص، غير ما يفكر به لدرعا أو إدلب، فهذه المدينة ومنذ سبعينات القرن الفائت، يتم التخطيط لتكون مركزاً، إن لم نقل عاصمة، "للدويلة الأسدية" أو ما عرفناه أخيراً باسم "سوريا المفيدة" ومن يطلع على حالات الاستيلاء على العقارات والتغيير الديموغرافي وما كان يجري بحمص من "توطين الغرباء"، يعرف أنها هدف منذ عقود، بدأ ربما منذ تحويلها لمركز تأهيل عسكري "كليات"، وتجلى بوضوح خلال فترة المحافظ "إياد غزال" عبر الاستيلاء على الأراضي والتغيير الديموغرافي العلاني، وانفضح خلال القتل وأول حصار وتجويع للشعب، ومن ثم باستهداف ضريح الصحابي "خالد بن الوليد".
نهاية القول: أحيا سوريون، مساء أمس السبت بمدينة إسطنبول التركية، ذكرى مجزرة الساعة بحمص، وألقى ممثلون عن "التجمعات والمؤسسات والتنظيمات المعارضة" كلمات وبيانات وقصائد، جميعها نكأت الجراح ووضعت -أغلب الظن- الحضور بموقع الأسف والترحّم، على تلك الأيام الصوفية وزمن الثورة الجميل، وقت لم يكن من مشاريع فردية ولا تطرف ولا حتى فرقة بين السوريين.
بيد أن الأهم برأينا، كان تركيز المتحدثين وإجماع الحضور، على أهمية حمص قبل وخلال الثورة، كجغرافيا وديموغرافيا ومولد أساس لثورة السوريين، وربما، ستعود حمص للواجهة من جديد، خلال إحياء ثورة السوريين، بعد أن يزول عنها كل ما شابها من منافع وهواة ومتطرفين.
وأما الأهم بتظاهرة أمس، أن ثمة إجماعا على ضرورة إحياء الثورة، التي لا يمكن أن تموت، إلا إن قتلت بقلب الثوار وأفكارهم وأمانيهم، عبر الخيبة وتلاشي الأمل والشعور بالهزيمة.
وكل ما يسوقه نظام الأسد وحلفاؤه، من انتصارات زائفة، إنما هي مرحلية تتأتى عبر "أجندة " ودعم دولي مرحلي، لينهي الأسد الوريث، كل ما يوكل إليه من أدوار وظيفية. ..ليبقى السؤال حول من آمن بتلك المزاعم ويروّج الهزيمة بأوساط الثوار والمعارضين...وهو محسوب عليهم ويعتاش من الثورة.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية