أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الغوطة.. بقايا صور.. عدنان عبدالرزاق*

صورة أب يحمل طفله بحقيبة سفر، أكثر الصور رمزياً وتعبيراً عن حال السوريين - جيتي

أنهى قتل مدنيي غوطة دمشق والهاربين منها ولشهر متواصل، وبكافة طرائق الحقد وأنواع الأسلحة، بعد حصارهم المطبق لنيف وخمس سنوات، المشهد ما قبل الأخير، من "المسرحية السورية" فكشف وعرّى وأسقط آخر الأقنعة، عن الجميع، عرباً وأصدقاء ومنظمات وإنسانية، ومن المؤكد، ما بعد الغوطة، وأياً كانت المآلات، لن يكون كما قبلها على الإطلاق.

سواء دخلها محتلو إيران وروسيا، بصحبة جيش الأسد وشبيحته، أو تدخّلت بعض الدول لتكتفي بما حصل وُتبقي على من وما تبقى من الغوطة، كشعرة معاوية، تشدها وقتما يقتضي الأمر ولا تقطعها مهما تعاظم. أو حتى بقيت الغوطة معلّقة، إن حدث طارئ، كقصف أمريكي لمواقع الأسد، لتتغير اللعبة، وإن إلى مواجهة بين موسكو وواشنطن فيما يشبه حرباً عالمية جديدة.

بيد أن هذا الشهر، وبما حمله من أوجاع، ربما وازى كل خيبات سني الثورة، بما فيها قتل حمص والغدر بحلب، إذ لم يشعر السوريون بوحدتهم، بل وبمواجهة ثورتهم للعالم بأسره، كما أصابهم خلال شهر الغوطة المضمخ بالدم ولألم والأوجاع.

وأرخّت الصور، من الوحشية والألم، ما يُبقي عالم الحرية الديمقراطي، كذوباً محتالاً إلى يوم يبعثون، ويبرر، بالآن نفسه، أيّ فعائل يقوم بها السوريون، بما فيها تفجير أنفسهم بوجه كل من قتل أو ساهم بقتل أهليهم وحلمهم بحياة خالية من القمع والظلم والاستبداد.

قصارى القول: مرّت صور، وخاصة خلال الأيام الأخيرة، الأرجح لن تُمحى من الذاكرة، ما بقيّ السوريون على قيد الأمل والحياة، فمن صورة الطفل الخارج من الغوطة الذي حملوه قسرا صورة بشار الأسد، وبدا عليه الانكسار جلياً، إلى صورة الطفلة التي رفضت مديح الرئيس.

لكن صورتين، تصدرتا مشاهد الوجع، الأولى لتلك الطفلة الرضيعة، التي أقنعها ذووها أن أمها نائمة وستصحو بعد قليل، فشاطرت أمها القتيلة الوسادة على أمل أن تصحيا معاً.

وأتت ثانياً، صورة أب يحمل طفله بحقيبة سفر، أكثر الصور رمزية وتعبيراً عن حال السوريين. بل واختصرت، حتى حال من رحلوا، إذ أبقى جل السوريين الذين غادروا وطنهم مكرهين، على حقائب سفرهم جاهزة، خشية أن يعودوا فجأة، واستمر الوطن بحقيبة، ربما إلى ما بعد مقايضة حلب والانكسار الأكبر وقتذاك، قبل أن يكتمل مشهد الخيبة اليوم، بانكسار الغوطة العظيم.

نهاية القول: أفلح نظام الأسد وبمشورة الشركاء بموسكو وطهران، وربما بمباركة وتمويل عربي، من خلق عداء بين غوطة الخير والرجولة ودمشق المستلبة المحتلة، وكرس عبر قصف دمشق وخلق الشكوك حول مقاتلي الغوطة، من الأحقاد ما سيدفع ثمنه أجيال وربما لعقود.

وأفلح أيضاً، بعد الضوء الأخضر الدولي واعتياد السوريين على رؤية الذل والدم، من التمثيل الوحشي بالغوطة وأهيلها، بمن فيهم من صدق خديعة الممر الآمن، ليقتلهم بالأمس وهم يركضون صوب نجاة مذّلة، لتكون الغوطة ربما، آخر معاركه الحقيقية، بعد أن قايض بالشمال عبر الروس، وبارك مرغماً الوجود التركي بالشمال.

لكن الغوطة وفق ما رشح وسيرشح، وما شاهدناه من جرائم، عبر صور الحكايات وحكايا الصور، ستبقى لعنة على الجميع، أولهم تجار الثورة من ساسة وفصائل، وآخرهم من يحضرون أنفسهم ليدخلوا الغوطة ويغيروا من معالم الجغرافيا وحقائق التاريخ، ويتابعوا فصول التغيير الديموغرافي وحملات التوطين والتشييع.

وطبعاً ما بينهما، من نظام ربما لم يقرأ التاريخ ولم يعرف أي لعنة ستلحقه وآله من الغوطة، وحتى من حلفاء وأصدقاء وأشقاء، لم تترك لعورتهم الغوطة، أي ستر وأوراق توت.

غوطة دمشق الشرقية، ومهما كانت النهاية التي ستضح خلال أيام، ستبقى الصورة الموجعة للسوريين، لتصفع كل من يمكن أن تراوده مصالحه ومخاوفه للصفح أو التفكير بالعودة عن الثورة والثأر لهؤلاء الرجال.

كما لن تكون الغوطة ورقة انتخابات لبوتين يتابع عبر الانتصار الزائف فيها تضليل الروس وتبرير الخسائر وقطيعة أوروبا التي ستتعاظم له، أو مرحلة لإعادة إنتاج الأسد وتعويض عن صفعات إذلال المحتلين له، بل وفق منطق الثورات وإن تعثرت، ستكون غوطة المشمش واللوز والرجال، نصراً وإن بدمها على الجناة الغزاة.. فنحن ضحايا كربلاء والغوطة حسين ثورتنا.

*من كتاب "زمان الوصل"
(194)    هل أعجبتك المقالة (189)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي