قال لي بلهجة المؤنب ومشاعر المحب، كيف تجري حوارا مع أنس أزرق، وأنت كذا وكذا وهو كذا وكذا.
أجبت، وهروباً من التفاصيل وعقم الحوار، ببساطة أنا صحفي وافتتاح قناة تلفزيونية سورية باسطنبول، حجم استثمارها عشرات ملايين الدولارات وتشغّل نيف ومئة وخمسين سورياً، فضلاً عن أنها ستكون لسان حال السوريين والمعارضة، بواقع تراجع الخبر السوري بالتلفزات العربية، هو بالنسبة لي حدث، يستحق التغطية، وأكثر من مرة وبأكثر من نوع صحافي.
أضاف وبتصميم من يريد التعمّق ليصل لنتيجة وضعها سلفاً بذهنه.
ولكن هذه المحطة ممولة من قطر والقائم على إدارتها شيعي وكان يعمل بتلفزيون "المنار" الناطق باسم حزب الله، وهو لم يعلن موقفاً واضحاً من الثورة وأن سياستها التحريرية ستكون مقربة من نظام الأسد وإيران.
وتابع، جلّ من يعمل بالمحطة من أنصار الأسد وينتمون للطائفة العلوية ويفتقرون للمهنية ووو..
قاطعته بالقول، أولاً لن آخذ دور محامي دفاع رغم أنك أخذت دور القاضي، وحكمت دونما أي أدلة، على المحطة قبل أن ترى بثها، وعلى الكادر وتوجهه وانتمائه دون معرفته، بل وعلى من يديرها علماً أن جلّ معلوماتك غير صحيحة، ويكفي أن أقول لك إن أنس أزرق ليس شيعياً.
أنهى المكالمة متضايقاً، بعد أن ألمح بشيء من الاتهامية لي، بل وأفصح عن شيء من المصلحة إن بكتابتي أصلاً عن تلفزيون "سوريا"، أو لتوضيحي بعض الأمور.
مكالمة هذا الصديق، هي مثال عن عشرات، إن لم أقل أكثر، من المكالمات وطرائق تواصل أخرى، بيني وبين زملاء وأصدقاء، خلال أقل من 48 ساعة، من نشري "ريبورتاج" عن تلفزيون سوري جديد، سينطلق من إسطنبول التي أقيم بها ومكلف بتغطية أحداثها، رغم أني لم أدلِ بأي رأي، موجب أو سالب، حول التلفزيون العتيد أو من يعمل به أو ما سيتناول، بل كنت ناقلاً لآراء القائمين عليه وبأمانة مهنية، ليس إلا.
قصارى القول: لا شك، وبخاصة بواقع الحرية التي ننشد ونتطلع لنعيش، أن من حق أي إنسان أن يعبر عن رأيه، إزاء أي قضية أو حدث، وخاصة للسوريين وأحداث تهمهم وترسم، أو تساهم برسم ملامح مستقبلهم، ولكن.
ثمة فرق بين النقد والانتقاد، أي أن نقيّم الإنتاج دونما زج المنتج بالمسألة، فأن أدلي رأيي بقصيدة دون زج انتماء الشاعر الروحي أو الأيديولوجي أو القومي بالقضية، لطالما أقدم رأياً حول نتاج أدبي.
وطبعا يختلف الأمر فيما لو كان الهدف تقييم الشخص، فتميم البرغوثي كمثال، على صعيد القصيدة ومستوى الشاعرية، هو من فحول جيله، بيد أن لمواقفه إزاء الثورة السورية خاصة، ألف شارة استفهام وتعجب.
وأيضاً، ثمة فارق وشاسع، بين النقد والرأي الشخصي والتخوين، وبخاصة إن انطلق "التخوين" من اعتبارات شخصية أو مما سمع وقرأ الناقد على "فيسبوك"، ببساطة، لأن كلمة التخوين أليمة ولئيمة ومشحونة عاطفياً، كما هي أقرب للتكفير، مطاطة ويمكن اعتمادها شماعة للهروب من جدية وعلمية أي نقاش.
والأمثلة بهذا المقام لا تحصى، فمن كان يعمل بمؤسسة حكومية قبل الثورة، هو عرضة للتخوين ومن كان ينتمي لحزب البعث يصح فيه المتآمر والشوفيني ومن عاش قريباً، وإن جغرافياً، من فلان، فهو مشبوه وعميل، حتى يثبت العكس.
وهنا لن أدافع من جنس الاتهام ذاته، وأقول إن الانتماء لحزب البعث، كان شبه إلزامي لكل من يسعى للدراسة أو العمل، كما أن ليس كل بعثي إقصائيا ومنتفعا.
أو الرد بأن العمل بمؤسسات حكومية، كان حلا إجباريا للساعي للعيش، إذ لا يوجد بسوريا قطاع خاص، وخاصة لبعض القطاعات والإعلام بمقدمتها، إذ وقت تخرجنا من "الصحافة" لم يكن بسوريا لوموند ولا نيويورك تايمز، بل ولا يوجد أي وسيلة إعلامية خاصة، مرئية أو مكتوبة أو مسموعة.
نهاية القول: ربما من قبيل "فنون المشاكل" أني إثر هذه المقالة، سأجلب الدب لكرمي، فمن خجل من اتهامي وانتقادي علانية بعد كتابة "نوع صحفي" عن تلفزيون "سوريا"، سيجد اليوم الفرصة سانحة، لتطاولني سهامه.
لذا، ومن قبيل لزوم ما يلزم أقول، لا علاقة لي بالتلفزيون ولا بمن فيه أو ورائه، سوى ما تمليه عليّ مهنتي وأخلاقياتي، بمعنى، واجبه عليّ أن أغطيه كحدث، كما من واجبي أن أنقده فيما لو رأيت أداءه شاذاً أو لا يتناسب ومعايير المهنة وطموح السوريين. لكني وببساطة، لن أقيمه قبل أن أراه ولن أخلط دوافعي ومصالحي برأيي، فالعقاب دائماً يكون بحجم الذنب وليس بحجم الحقد.
والأمر الآخر أصيغه بسؤال، ترى من هي الشخصية السورية المعارضة، أو الواقفة بصف المعارضة والثورة، أو التي لا تقف بصف الأسد، سلمت من التخوين والتآمر والعمالة، وهذا الأمر، ربما هو من أخطر نتائج الثورة المشوهة والحرية المقلوبة التي فهمناها ونمارسها.
هذا إن لم نأت على الذين يخونون ويتهمون بالعمالة ونرد وفق مقولة جدتي أمون "حارتنا ضيقة وبنعرف بعضنا" أو مقولتها الأخرى" قال له يا بيك شرفنا.. فرد: ليموت يلي بيعرفنا".
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية