بالأمس، ظهر "المعارض" عبد الجليل السعيد في "إسرائيل"، بعد أن ظهر سابقه، "كمال اللبواني" قبل نيف وعام، وربما تكشف لنا الأيام المقبلة، عن زيارات وعلاقات لآخرين محسوبين على المعارضة، لتنسف كل ما تبقى بالثورة، أو بصيغة أدق، لدى من استظل بها، ليمرر أطماعه ومساعيه ويبرر عمالته.
قصارى القول: قلما عانى شعب من الحرب، كما السوريين، إن لطول الفترة الممتدة نحو سبع سنوات، أو للعقابيل، من قتل وإعاقة وتهجير، أو حتى لتشتت الآراء والمواقف وتعدد الأعداء واختلاط الأمور. لدرجة الصح والخطأ بآن.
ونتج مما نتج عن الحالة، اختلاط بلغ أوجه، فمن يُعتبر عدواً لفئة من السوريين، تحسبه فئة أخرى حليفاً أو صديقاً، ومن يراه هذا الفسطاط محتلاً، يراه الآخر نصيراً، بل ويطالب ببقائه وتمدده أكثر على الأرض السورية.
والأمثلة أكثر من أن تحصى، فالتدخل الروسي والإيراني بسورية، هو احتلال للأرض والمقدرات، ودعم لبقاء نظام الأسد، من وجهة نظر المعارضة، كما دخول تركيا بالأراضي السورية، من نظر النظام وأتباعه، هو احتلال وأطماع، والعكس صحيح ولكلا الطرفين.
بيد أن ثمة أحداثا، تجري بين الفينة والأخرى، تكون من الصعوبة، من نظر البعض على الأقل، بحيث يطلق إزاءها حكماً أو يُعلن منها موقفاً محدداً، وقصف إسرائيل لمواقع سورية، واحدة من تلك "المتشابهات".
فلو تم النظر وطنياً للقضية، فإسرائيل، العدو التاريخي المحتل لأراض سورية وفلسطينية، تقصف أرضاً ومواقع سورية، لذا من البديهي إدانة الفعل والوقوف لجانب سورية ضد إسرائيل، وبصرف النظر عن حاكم سورية ونظامها.
أما إن تم تجزئة النظرة، فإن تلك الطائرات الإسرائيلية، تقصف وحدات ومواقع عسكرية تتبع لنظام الأسد وحلفائه الإيرانيين، ولا تقصف مناطق مدنية أو منشآت اقتصادية وخدمية، ولطالما تلك المواقع العسكرية، تقصف وتقتل السوريين ومنذ ست سنوات، لذا إدانتها ليست واجباً كما أن الفرح جراء قصفها، ليس من الخيانة بمكان.
بالأمس "السبت" أسقطت الدفاعات الجوية على الأراضي السورية "لا نعلم أهي سورية أو إيرانية أو حتى روسية" طائرة "اف 16" إسرائيلية بعد استهدافها مناطق عسكرية وسط سورية، ولأول مرة يتم إسقاط طائرة إسرائيلية، بعد قصف متكرر ومنذ سنوات، ما وضع جل السوريين على ضفة المعارضة، أمام حيرة من أمرهم، أيفرحون لسقوط الطائرة من منطلق إسرائيل عدو ومحتل للأرض، أم يفرحون لأن الطائرة الإسرائيلية أخرجت عن العمل، مطار "تي فور" الذي تخرج منه الطائرات وتقتل السوريين.
ورأى الأكثرية ممن عبروا عن رأيهم، ضرورة التفريق، كأن يفرحوا فرحة مزدوجة، طرفها الأول إسقاط طائرة للعدو الإسرائيلي والثاني تدمير برج المراقبة بمطار عسكري يستخدمه النظام بقتل السوريين.
بيد أن ذلك الشعور، لم يكن مبرراً، من نظر كثيرين، بمن فيهم المعارضة، فالبعض سعى للفرح بقصف مواقع تقصف السوريين، بل وطالبوا برد إسرائيلي على الدفاعات الجوية الأسدية والإيرانية. في حين دفع آخرون للتفريق، على اعتبار أن الطائرة إسرائيلية ويجب عدم الخلط، ولابد من إدانة الخرق الإسرائيلي.
نهاية القول: رغم صعوبة التمييز نتيجة شدة الاختلاط، بعد أن حوّل نظام بشار الأسد، سورية لأرض صراع دولية ومعارك اقتسام نفوذ وتصفية حسابات، بيد أن البوصلة لازالت واضحة.
بمعنى، لا يمكن اعتبار إسرائيل حليفاً للثورة والثوار، إن ساهمت بإضعاف قوة النظام وحلفائه النارية، بل وحتى إن ساعدت بهزيمته أمام الثوار.
والسبب برأينا يتوزع على أمرين، الأول أن إسرائيل هي عدو ومحتل، ولا يمكن التعامل معها وفق مبدأ "عدو العدو صديق".
وأما الأمر الآخر، والذي قد لا يقل أهمية عن سابقه، هو أن لإسرائيل الرأي والقرار ببقاء بشار الأسد رئيساً لسورية، وذلك، بعد جملة من الحقائق والوقائع، وليس تقديراً أو استنتاجاً.
إذ أعلنت إسرائيل وبغير مكان وزمان، أنها حريصة على بقاء نظام الأسد، بل وتدعم بقاءه عبر علاقاتها مع روسيا ومع الولايات المتحدة. وما تفعله من قصف، فهو لتهديم القوة العسكرية التي دفع ثمنها السوريون من دمهم وتعبهم، وما يخرج عن بعض قادتها من تصريحات، غايتها الاستهلاك الإعلامي وتتمة للعبة "القط والفأر" ومحاولة إطلاء أكذوبة الممانعة، على شعوب المنطقة.
للأسف، برزت خلال الفترة الأخيرة اتجاهات لبعض السوريين إزاء إسرائيل، بل وبدأت تتكشف زيارات وتُفضح علاقات، والتبرير يأتي على الدوام، كرمى للسوريين وانتصار ثورتهم. وهذا على ما نعتقد، عذر أقبح من ذنب، إذ ومهما تعمّقت الأزمة وبلغت من الاختلاط، لا يمكن اعتبار الخيانة وجهة نظر والتعامل مع إسرائيل فعلاً حميداً لطالما منطلقه وغايته سورية والحرية والسوريين.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية