تتمة للمسرحية التي أطلقت واشنطن خلال ديسمبر الفائت، فصلها قبل الختامي، عبر رصد 25 مليون دولار، لقاء القبض أو المساعدة بالقبض، على "إبراهيم عواد البدري"، المعروف بأبي بكر البغدادي، تتابع اليوم تتمة الفصل الأخير، عبر 200 ساعة طيران الشهر الماضي، وقصف مواقع في صحراء الأنبار خلال الأيام الفائتة، لتقدم البغدادي، أو شبيهاً له إن اقتضت الضرورة، فتسبق موسكو وتعكر لها ادعاء انتصارها، وتبرر للشعب الأمريكي ومن يهمهم الأمر، ليس قصف وقتل المدنيين وتهديم سوريا والعراق، بل واحتلالها لخزان الماء والنفط والغذاء، شمالي شرق سوريا.
وعلى اعتبار، كل شيء بهذا "الزمان الرخو" جائز، قد تلقي واشنطن القبض على البغدادي، أو تحضره من مكان إقامته وتقول إنها قبضت عليه، بل وقد يكون في هذه "الأضحية" تبرير لنحو مليون سوري، بين قتيل ومعاق وتشريد نصف السكان ونحو 280 مليار دولار خسائر، وكذا بالعراق، بعد تشريد ستة ملايين وتجاوزت الخسائر، 100 مليار دولار وتدمير معظم الأنبار ونينوى وديالى وكركوك وبابل وواسط وصلاح الدين.. فضلا عن بغداد.
قلنا "أضحية" ونتمنى ألا يتصيدنا المتربصون، فالقصد أن "داعش" والبغدادي وما تفرّخ ويمكن أن يتفرّخ، هي نتائج طبيعية أو مرسومة، لأسباب أول من يعرفها هي واشنطن، هذا إن لم نقل أنها مساهمة بها، فوجود أمثال المالكي بالعراق والأسد بسوريا، بل والسيسي بمصر وغيرهم، من المتوقع أن يُخرج هكذا راديكاليات، تستخدمها واشنطن لأهداف أبعد من "بروبوغاندا" ملاحقة التطرف والإرهاب، أو حتى الدفاع عن أمنها القومي.
قصارى القول: أيعقل أن الولايات المتحدة، وعبر تقنياتها العسكرية والتكنولوجية، لم ترصد البغدادي طيلة هذه الفترة، حتى ترصد مكافآت مالية لمن يرشدها لمخبئه.
وربما الأهم، ما هو دور واشنطن بصناعة "فزاعات" لتحقق عبرهم خططها الاستراتيجية، ابتداء من القاعدة التي "صنعتها" لتواجه عبرها الاتحاد السوفياتي بأفغانستان، قبل أن تتهمها بضرب مبنى التجارة العالمي، وتدخل بذريعة ملاحقتها العراق، كما فعلت اليوم بحكاية "داعش" والبغدادي، فأغرقت روسيا الاتحادية، كما وارثها بأفغانستان، بوحل سوريا ولتحصد الثمن الأكبر من كعكة خراب سوريا.
وأيضاً، ماذا تحضر الولايات المتحدة لما بعد "داعش" لتتابع معاركها بالوكالة، إن لتركيا أو حتى الصين، وهي المشهود لها، بصناعة كل أسباب التخلص من الأعداء، وإن بدت كما بزمن باراك أوباما، ضعيفة وتقود الأحداث من الخلف.
نهاية القول: ربما ما نراه اليوم، من تطرف ودموية، إن عبر التفجيرات أو العلميات الانتحارية، أو حتى التمثيل بالجثث، إنما يوازي فكر "داعش" ويزيد عن قناعات وذهنية البغدادي.
بل قد يكون أكثر خطورة ولاعتبارات كثيرة، منها أولاً، أنه بات منهجاً للشباب ولم يتخلوا عنه حتى بعد شبه تلاشي "داعش" وعودتهم للمناطق المحررة، ثانياً، إن ما سعت إليه الولايات المتحدة خاصة، كرس العداوة ضمن البلد الواحد، بعد نبش كل ما له علاقة بالخلاف عبر الاختلاف، إن على مستوى القوميات أو الروحانيات والايديولوجيات.
لذا، بات برأس كل سوري، إلا من رحم ربي، بغدادي يتناسب مع الفكر والفكرة والهدف والغاية لحامله، وهم ما تحرص الولايات المتحدة، على إبقائهم بل وتكريسهم، منذ أن تساهلت ببقاء بشار الأسد وقت سفك أول دم بالثورة وقايضت بقاءه باستلام أداة الجريمة بعد مجزرة الكيماوي في الغوطة وحتى اليوم، عبر الاكتفاء بصفعات منبهة وغير موجعة، للأسد وداعميه.
بل وليس من التهويل القول، إن الولايات المتحدة تحرص على بقاء وتنمية فكر البغدادي وما بعد البغدادي، وتدفع المال لمن يقتل كل من يفكر باستئصاله، مثلما قلنا ومنذ مطلع الثورة وعبر "زمان الوصل" أن واشنطن إن شعرت أن بشار الأسد بحاجة لدم، لأرسلت طائرة متبرعين، مدوه بما يحتاج وعادوا ...طبعاً ليس حباً بالأسد أو غراماً بالفكر المتطرف، بل لأن في هؤلاء الحمقى، الطريق الأقصر والأقل كلفة، لتدخل واشنطن أنى شاءت، أو تعاقب عبرهم من تريد.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية