أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"تشويل" السوريين إلى سوتشي.. فؤاد عبد العزيز*

من مؤتمر "سوتشي" - جيتي

حقيقة، لم يكن لدي رغبة لكتابة حرف واحد عن مؤتمر "سوتشي" لكثرة ما كتب عنه خلال الفترة الماضية، لكن المشهد الذي تم تسريبه، لوفد النظام وهم محملون كالقطيع في طائرة "أجنحة الشام" التي يملكها رامي مخلوف، بينما يغنون "بكتب اسمك يا بلادي"، هو مشهد يصعب المرور عليه دون التوقف عنده.. فهو أولا، يدعوك للتأمل في وجوه أبناء بلدك، الذين اختلفت معهم في الموقف السياسي و انقطعت عنهم لمدة تزيد عن خمس سنوات، وثانيا يدفعك للتساؤل: لم هؤلاء فرحون ويغنون؟ وثالثا يجعلك تتخيل الطرف الآخر، رجالات المعارضة وهم يركبون الطائرات باتجاه سوتشي، فما هو حالهم؟ هل هم فرحون كذلك؟ أم إن أعصابهم تالفة، لشدة ما واجهوا من شتائم وتخوين خلال الفترة الماضية؟! ثم أخيرا، تتخيل لقطة اللقاء بين الجميع في المؤتمر، وكيف سيكون عليه الحال، فيما لو أن وفد النظام، الذي يغلب عليه الطابع الشعبي، لديه تعليمات بأن ينهالوا بالشتائم على وفد المعارضة، وخصوصا أنهم أكثر منهم عددا، ويوجدون على أرض صديقة؟! 

نكتفي بهذا القدر من التأملات والتخيلات وننتقل معكم إلى اللقطة الأكثر واقعية في هذا المشهد.. فقد حرص النظام على إرسال مشاركين إلى المؤتمر، يمثلون قاعه، في رسالة واضحة للمعارضة بأن هؤلاء من سيحاورونكم، وهم بالإضافة إلى ذلك فوق قيمتكم.. إنه بصورة أدق ، أرسل قطيعه الذي لايزال لديه الاستعداد لأن يرقص ويغني ويقوم بالحركات البهلوانية، كي لا يظهر في الصورة بأنه غير راض وغير سعيد. 

التأمل في الصورة أيضا، يجعلك تتأكد بأن شيئا لم يتغير في الرفاق البعثيين، رغم كل ما مر على البلد من ويلات ومآسي خلال السنوات الماضية.. فهم كأنهم لقى أثرية تم المحافظة عليها بعناية فائقة، أو كأنهم نسوا الصورة الحقيقية التي يجب أن يظهر عليها المواطنون الطبيعيون!

لا شيء جديد في الطائرة من حيث المضمون، لكن ذلك لم يمنعنا من إلقاء نظرات الحنين، مثلما لازلنا نحن للعشوائيات، وشرطي السير البائس، وصوت بائع " الصرامي " العتيقة والخبز اليابس و"الصوبيات" في شوارع وطننا الشقي .. فهي صور لم يعلق في أذهاننا سواها ونحن في مهجرنا الإجباري. 

الأشقياء هم وحدهم من يغنون رغم البؤس، وكان بطل رواية "موسم الهجرة للشمال " للكاتب السوداني، الطيب صالح، يستغرب من أبناء قريته الذين يقومون بأعمال شاقة في الحقول، منذ ساعات الصباح والباكر وحتى غروب الشمس، وبدون أي مقابل مادي يستحق، ومع ذلك ما إن يبدأ أحدهم بالغناء، حتى يردد الجميع خلفه الأغنية معه.. ثم يتساءل البطل العائد من الغرب باندهاش، كيف أنهم يغنون بدل أن يثوروا على أوضاعهم ويغيرونها؟ ثم مع مرور الوقت أصبح هذا المشهد بالنسبة له حميميا، وجزءا أساسيا من مكونات وطنه.

هذا بالضبط ما يحدث مع أبناء بلدي الذين كانوا يركبون طائرة النظام، بينما لازالوا يغنون، وهذا ما حدث معنا ونحن نراقب وجوههم الطافحة بالبؤس والشقاء .. نشعر حقيقة بالشفقة عليهم، وعلى استسلامهم للأمر الواقع على هذا النحو الاستلابي.

بكل الأحوال، لم أر السوريين منزوعي الإرادة مثلما رأيته في مشهد سوتشي، وبكل تفاصيله، فهي صورة لا يستحقها هذا الشعب البطل، وهي لا تعكس نضالاته خلال السنوات السبع الماضية، وأتحدث هنا عن الجانب المعارض منهم، فهم كانوا المعول عليهم أن يغيروا الصورة النمطية عن الشعب السوري التي ظهر عليها ركاب طائرة النظام .. لكن على ما يبدو أن من عاش شطرا كبيرا من حياته عبدا، يصعب عليه أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى إنسان حر بكل معنى الكلمة.

ألم نقل سابقا أن طريق الثورة السورية والتحرر من الاستبداد والديكتاتورية، طويل وشائك ، وقد لا يحققه هذا الجيل من الشعب السوري؟!

*من كتاب "زمان الوصل"
(200)    هل أعجبتك المقالة (206)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي