زرت منطقة عفرين في عام 2005 أو 2006 .. لم أعد أذكر، لكنها من الزيارات التي فتحت وعيي على قضية لم أكن أعلم عنها شيئا، وكانت المرة الأولى التي أزور فيها منطقة داخل سوريا يتكلم أهلها لغة مختلفة، ولغتهم العربية ركيكة.
أسوأ ما في الزيارة، أنني كنت مرافقا لوفد رسمي من دمشق، بسبب ما يشكله ذلك من حساسية لأهالي عفرين، الذين كانوا ينظرون لمثل هذه الزيارات على أنها جزء من المهام المخابراتية التي كان يكلف بها النظام أزلامه لتقييم مستوى ولاء الأكراد، ومدى التزامهم ببيت الطاعة الأسدي.
لذلك كانت النظرات الأولى المصوبة إلينا، لا تخلو من الكره والقرف أحيانا.. حتى الشخصيات الرسمية والشعبية، الذين أجبروا على استقبالنا في عفرين، لم يستطيعوا إخفاء وجوههم الثقيلة، وكانت كلمات الترحيب تخرج من أفواههم جافة، وكأنهم يستقبلون قاتلي أولادهم، وخصوصا أن أحداث عام 2004 لم يكن قد مضى عليها زمن طويل.
كانت زيارتنا تقضي بأن نمضي يوما كاملا في مدينة عفرين ومحيطها، لذلك وبما أن البداية كانت مؤلمة، فقد اتضح أن الزمن سوف يمضي فيها ثقيلا.. لكن من حسن حظي أن صديقي الصحفي الكردي "العفريني "، صلاح الدين عيسى، كان قد لمحني من بعيد فشق طريقه إلي وانهال علي بالعناق والتقبيل، ثم سحبني من بين الجموع، معاتبا: كيف لم أعلمه بمجيئي مع الوفد إلى عفرين؟
وجدتها فرصة كبيرة كي أتخلص من حفلة الكره التي وضعت فيها دون إرادتي، فتمسكت بصلاح وكأنني مشتاق إليه بالفعل، وأخبرته أنني غير ملتزم بالبقاء مع الوفد طوال الوقت، وبإمكاننا أن نبتعد عنهم.
لم استطع أن أخفي مشاعري عن مشاهداتي الأولى في عفرين، فأخبرت صلاح بها، متسائلا عن السبب ..؟ وكنت يومها لا أعلم شيئا عن أحداث عام 2004، كما أنني لم أكن على اطلاع إطلاقا على ماهية الظروف التي يعيشها الأكراد في مناطقهم ، وطبيعة علاقتهم بالسلطة، بل كنت أظن أن الجميع في سوريا يعانون من الاضطهاد، بنفس الدرجة.
كان صديقي صلاح متحفظا على الرد عن تساؤلاتي، وأحسست كأنه يخشى أن أكون مخبرا، فقد علمتهم التجربة ألا يثقوا بأحد بما فيهم المقربون، وبدل ذلك اقترح علي أن نتعرف على عفرين وأهلها إن أمكن، وطلب مني صراحة أن أتوقف عن طرح التساؤلات أو فتح أي موضوع للنقاش مع أي شخص نلتقيه، لأنه لا يستطيع أن يتوقع ما ستكون عليه النتيجة فيما بعد.. وبناء على ذلك اتفقنا أن نمضي رحلتنا.
البداية كانت من قرية "جنديرس" التي لا تبعد سوى بضعة كيلو مترات عن عفرين، فقد اتصل صلاح بأحدهم وتحدث معه كثيرا بالكردية، وكانت ملامح وجهه تشير إلى أنه يبذل جهدا كبيرا في إقناعه لاستضافتي معه.. تدخلت في هذه الأثناء وقلت لصلاح أنه لا داعي لإحراج الرجل، وكأنني كنت أفهم كل كلمة يقولها .. فتجاهلني صلاح وتوجه إلى دراجة نارية عائدة عليه، وطلب مني أن أركب خلفه وأن أتمسك جيدا.
وصلنا إلى بيت ريفي متواضع، فخرج صاحب البيت واستقبل صلاح بحفاوة وعناق، ثم امتدت يده إلي لتصافحني ، مع نظرات فاحصة سريعة، عرفت من خلالها أنني لازلت غير مرحب به.
جلست معزولا في غرفة الضيوف، لأنهم كانوا يتحدثون بالكردية متجاهلين وجودي بينهم، لكن مع مرور الوقت بدأ يتوافد أشخاص كثر إلى جلستنا، وكان بينهم مدير المدرسة في القرية، وهو عربي، وعلى ما يبدو أنه يحظى باحترام لديهم ويثقون به، فوجدت فيه سندا لي حتى لا أشعر بالغربة التامة.
لم يدعني هذا العربي أطرح تساؤلاتي ومشاهداتي الغريبة، بل بادرني هو على الفور قائلا إن أهالي هذه المنطقة طيبون جدا وكريمون وبسيطون، ويجب ألا آخذ على خاطري إن بدر منهم برود اتجاهي، لأنهم عانوا كثيرا من الظلم والاضطهاد والسرقة العلنية وعلى المكشوف.. وهنا تدخل صاحب البيت بعد أن سمع حديثنا، وكأنه شعر بالاطمئنان ، وقال لي بعربية ركيكة : أقسم بالله أهالي "جنديرس" الذين لا يتجاوزون 5 آلاف نسمة، يدفعون سنويا أكثر من 200 تنكة زيتون للشباب، وكان يقصد المخابرات والمسؤولين.. وفجأة تدخل آخر وقدم معلومة جديدة عن واقع تعامل السلطة معهم، ثم علا النقاش ، وأصبح كل من في الغرفة يقول ما في داخله، متناسين لحظات الحذر التي واجهوني فيها.. بينما أنا كنت حائرا بين أن أكتفي بالاستماع، أم أشارك بالحديث مواسيا، لكني بالاجمال شعرت بهم وكأنهم يتحدثون إلى مسؤول كبير أعطاهم الأمان وطلب منهم أن يفرغوا ما في نفوسهم الملآنة.
مضت ساعات ونحن نتناقش ، تناولنا خلالها طعام الغداء والفواكه والحلويات وشربنا الشاي، وتبادلنا النكات، ونسي الجميع أنني غريب ومختلف وقد أكون مخبرا للنظام، وكنت كلما طلبت من صلاح أن نغادر، يتمسكون بي أكثر، لولا أنه جاءني اتصال من أحد المرافقين للوفد الرسمي، يسألني : أين أنت يا رجل؟ ثم أخبرني أننا مدعوون على العشاء في عفرين في أحد المطاعم ويجب ألا أتأخر..
*فؤاد عبد العزيز - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية