وقف العالم الديمقراطي المتحضر، بوجه سعي الشعب الإيراني للحرية، وباتت أطواق النجاة، ترمى بالجملة، لمرشد إيران ورئيسها، وربما باجتماع مجلس الأمن الدولي، الذي مرّ دون إصدار ما يذكر، خدمة أخرى لطهران، دفعتها مشفوعة بالتأييد الأوروبي، لزيادة جرعة القمع، لترمي الشعب مقابل الشعب، وتعتقل من تشاء، لطالما التهم جاهزة ومعلبة، بل وتصل لمعاداة الله وآياته وخلفائه على الأرض.
ترى، لماذا تخوفت الدول الأوروبية خاصة، من ثورة بإيران، والجميع يعرف، مدى القمع والحكم الثيوقراطي الذي يفرض حتى على زوار طهران من الأوروبيات، وضع الحجاب أمام الكاميرات، والسهر بملاه ليلاً، ربما تفوق أماكن المجون بباريس وروما، بعيدا عن أعين الكاميرات.
ربما تهديد انسياب الطاقة، إن الإيرانية أو تلك العابرة عبر مضيق هرمز، هو السبب الأهم المعلن، إذ سيؤدي استمرار التظاهرات إلى ارتفاع جنوني في أسعار النفط والغاز، ما يهدد دورة الانتعاش التي بدأت حديثاً في أوروبا، ويؤذي مصالح دول آسيا وأوروبا التجارية والاستثمارية في السوق الإيراني، والتي تعاظمت، منذ توقيع طهران الاتفاق النووي، بل وبلغت مئات المليارات بقطاعات عدة، أهمها الطاقة.
قصارى القول: جنحت حكومة طهران لمطالب المتظاهرين الأولى، فأعلنت تجميد رفع الدعم عن السلع والمنتجات ووعدت بوظائف، وربما تتبع ذلك بالاستغناء عن بعض الوجوه الاقتصادية الحكومية، لترميهم كورقة تهدئة بوجه الشارع، الذي تراجعت تظاهراته إلى ليلية وبمناطق محددة.
بيد أن السؤال هنا، هل يكفي الشعب الإيراني، جوائز الترضية تلك، بعد أن سال دم المنتفضين على أيدي النظام بإيران، بل وتغيرت دوافع الاحتجاجات، من اقتصادية نتيجة الفقر والبطالة والتضخم النقدي، وإهمال القضاء ومجلس الشورى الإسلامي للمطالب الشعبية، إلى ثورة تطالب بالقصاص من "القتلة".
ربما الإجابة تأتي من الماضي والتاريخ الإيراني الحديث، إذ ليست المرة الأولى التي ينتفض فيها الإيرانيون لدوافع معيشية واقتصادية على مبددي ثرواتهم، بل يمكن القول إنه ومنذ 1992، لم تنقطع الاحتجاجات، وإن تقطعت وتباينت أحجامها ومطالبها، وطرائق التعاطي معها.
إذ انتفض الشعب الإيراني في عام 1992 وعلى خلفية إعدام سبعة محتجين بقرار من رئيس السلطة القضائية، محمد يزدي، وعاود في عام 1994 عبر مدن إيرانية عدة، وشيراز بمقدمتها، والأهم الثورة الخضراء التي احتجت عام 2009 على تجديد الحكم لأحمدي نجاد واتهام الحكومة وقتذاك بالتزوير، وكذا عام 2011 وخلال احتجاجات المعلمين الشهيرة وأيضاً انتفاضة عمال المناجم عام 2015.
وطبعاً ما بين كل تلك الاحتجاجات، أو حتى التي لم تخرج أخبارها للخارج، سواء إثر قمع الحريات أو تقييد المعتقدات، نجحت إيران في قمعها وتسويقها بخروج على القانون، أو حالات تمرد لا تعكس الواقع والحياة العامة بإيران.
نهاية القول: بصرف النظر عمّا ستؤول إليه الانتفاضة الإيرانية، ومدى احتمالية نجاح النظام بقمعها أو امتصاص فورة المنتفضين عبر "عطايا اقتصادية" أو وعود وتغييرات سياسية، على اعتبار أن لدى "حكم الملالي" تراكم خبرة ودراية، بالتصعيد أو التراجع، على حسب الظرف والمكاسب. أو تمدد الانتفاضة لتغيّر مع التراكم وإراقة الدم وتصميم الشعب، نظام الحكم وتكف بعد ذاك إيران النكوصية، عن التدخل بالشؤون الداخلية لدول الجوار.
ثمة مؤشرات هنا، ربما أولها، أن الشعب السوري، أو المعارض منه على الأقل، أيّد انتفاضة الشعب الإيراني على مستغليه، بل ويتلقف أخبار نبض الشارع هناك. ربما كما كان مع الثورة السورية ببداياتها، ما يؤكد وبالدليل القاطع، أن ثورة السوريين، ليست إسلامية ولا سنية، كما روّج نظام الأسد وشركاؤه، ليقمعوها، بل هي ثورة حرية وكرامة وعدالة باقتسام الثروات، يتمناها السوريون اليوم للشعب الإيراني، كما تمنوها لأنفسهم عام 2011.
كما يمكن الاستدلال، من خلال تمني السوريين، بمن فيهم قادة المعارضة، السلامة لإيران وعدم السيرورة وفق السيناريو السوري، من قتل وتدمير وتهجير، أن ثورة السوريين إنسانية شمولية، وليست طائفية ضيقة، كما يؤثر نظام الأسد، بل وإيران على تسويقها. بل وجاء الطرح الشعبي السوري العام، بعدم السير على خطى الثورة السورية ومنع أي "عرعور إيراني" من توجيه الشارع، دليلا إضافيا على تأصل أسباب الثورة الأولى، رغم ما شاب الثورة لاحقاً، ولأسباب كثيرة، من تشويه وانزياح.. بل وتطرف.
ومما يصعب تغييبه من مشاهد، أن يدافع يساريون وشيوعيون وقوميون عرب تقدميون عن نظام ديني رجعي، كالنظام الإيراني، بذريعة عدائه أميركا وإسرائيل، وأن يقف هؤلاء ضد الانتفاضة الإيرانية الحالية، بحجة أنها مدعومة من الإمبريالية العالمية.
ليبقى الملمح الأهم بثورة الإيرانيين التي لم تخرج من المساجد، أنها الأمل المتبقي للسوريين، فباستمرارها إن لم نقل نجاحها، مزيد من خلط الأوراق التي، ووفق أقل المكاسب، ستخلق شرخاً بين الحلفاء الطارئين بأنقرة وموسكو وطهران، وقد تكون بداية لمرحلة مفتوحة على غير احتمال....عودة أمربكا للواجهة أحدها.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية