عندما أعلنت الناشطة "الغامضة" ميس الكريدي معارضتها للنظام، بدأت العروض تنهال عليها من جميع مؤسسات المعارضة، التي تدعوها للانضمام إليها مع وعود بمناصب وامتيازات في السفر والمؤتمرات.
وخلال أقل من عام تنقلت كريدي بين عدد من هذه المؤسسات والمؤتمرات، إلى أن استقر بها المقام، في فترة مبكرة، في مؤسسة النظام، وذلك بعد أن أدركت أن معارضة تعطي لفتاة غامضة كل هذا الدور وفي زمن قياسي، لا يمكن لها أن تهزم النظام.
في العام 2013، التقيت بـ"كريدي" في باريس، وأسرت لي وقتها أنها تنوي العودة إلى سوريا، لكنها الآن تعاين عرضا قدم لها من هيئة التنسيق في المهجر لصاحبها هيثم مناع، وبناء عليه سوف تقرر موقعها النهائي في المعارضة.
وعندما سألت هيثم مناع عن صحة هذه المعلومة فيما بعد، أخبرني بأن المفاوضات مع ميس الكريدي فشلت لضمها لهيئة التنسيق، منتقدا سلوكها في القفز بين أكثر من مؤسسة معارضة.
أسوق هذا المثال عن ميس الكريدي، لأقول بأن المعارضة ابتليت منذ البداية بالكثير من الأشخاص الغامضين، الذين لعبوا دورا كبيرا بفقدان الثقة بالمعارضة من أبناء الثورة ذاتها..هل يستطيع أحد أن يخبرنا من هو لؤي المقداد وكيف استطاع خلال فترة وجيزة أن يصبح ناطقا رسميا باسم أهم مؤسسة في الثورة وهي الجيش الحر، وأن يكون الآمر الناهي على القادة العسكريين..؟! لقد التقيت بهذا الشخص أيضا في باريس في أحد المقاهي التي يملكها سوري، وقد ذهلنا جميعا عندما أخرج من جيبه حزمة كبيرة من أوراق الـ500 يورو، من أجل أن يدفع الحساب..!!
ومثله الكثير من الأشخاص، والذين يأتي على رأسهم أحمد الجربا رئيس الائتلاف الأسبق، فهو الآخر رجل غامض، وهو اليوم يعتبر نفسه أحد عرابي مؤتمر "سوتشي" لتدمير الثورة السورية ومن المتحمسين لعقده.
استذكر في هذه اللحظات، رجالات الثورة الأولى، وهم يخبروننا بأن سقوط النظام مسألة أسابيع أو أشهر قليلة، وحتى أنا شخصيا، غادرت سوريا مطلع العام 2012، بثيابي التي ألبسها فقط، وعندما طلب مني من هم حولي أن أصطحب حقيبة أغراض معي، قلت لهم بثقة وبإشارة من أصبعين اثنين من يدي، أن النظام لن يستمر لأكثر من شهرين، وها قد مضى ست سنوات على هذين الإصبعين..!
في الأردن، محطتي الأولى، أدركت بعد مرور شهرين، وبعد أن عاينت عن قرب التلاعب المخابراتي بالثورة السورية، وبعد أن تعرفت على الوجوه النيرة لبعض قيادات المعارضة، ومثلهم، الناشطون الثوريون، أدركت أن النظام لن يسقط بهذه السهولة، لهذا اخذت اتصل بكثافة بأخي في الداخل، كي يرسل لي أغراضي، وأن يرسل لي على وجه الخصوص صورة لقبر أمي، وهي على فكرة، الغرض الوحيد الذي لازلت أحتفظ به، حتى اليوم، من كل سوريا.
استمع اليوم لصحوة بعض المعارضين البارزين في الخارج، وممن كانوا سببا مباشرا في تدمير ثورتنا، وهم يطلبون من الشعب السوري، مقاومة المحتل الروسي وإسقاط مؤتمر سوتشي في شوارع حلب والرقة ودير الزور وريف دمشق وحمص ودرعا .. إلخ، المدمرة والمهجرة من أهلها.. فأقول بيني وبين نفسي: يا الله..!! أليس بين هؤلاء من يستحي على نفسه، ويخرج للعلن ويقول بالفم الملآن: أنا حمار..؟!
يا للعجب..!! ألم يشبعوا من دمائنا والتضحية بنا..؟
يسألني صديق: ما هو الحل إذا..؟
الحل..؟ البركة بالشباب الذين لم يتركوا لنا حلولا نستعين بها سوى الموت من جديد..؟!
الحل يا أصدقائي: كل ثورة وأنتم بخير..!! دعونا نكون واقعيين ولو لمرة واحدة. روسيا تضع اللمسات الأخيرة لدفن ثورتنا، شئنا ذلك أم أبينا، أما الدعوة للقتال من جديد على أنقاض بيوتنا وأهلنا، فهي دعوة ناس "شبعانين" و"مرتاحين".. دعوة تصدر من أشخاص، لا يحق لهم الكلام اليوم سوى الاعتراف بأنهم كانوا "حمير"، وسمحوا لكل من هب ودب أن يركب على ظهورهم، مقابل أجر زهيد، وأركبوهم على ظهورنا كذلك، لكن بدون أن نتقاضى أجرا.
الحل يا أصدقائي، أن نقرأ رائعة الشاعر "أمل دنقل" البكاء بين يدي زرقاء اليمامة ونتأمل فيها من جديد، فعلى ما يبدو أن العميان لازالوا هم المبصرون، ولا زال الشعر هو أداتنا الأبرز في التعبير واتخاذ القرارات، هل سمعتم عن شعراء يهزمون جيوشا عسكرية..؟
لنقرأ إذا أمل دنقل:
"أنام في حظائر النسيان
طعاميَ: الكسرةُ..والماءُ..وبعض الثمرات اليابسة
وها أنا في ساعة الطعانْ
ساعةَ أن تخاذل الكماةُ .. والرماةُ .. والفرسانْ
دُعيت للميدان !
أنا الذي ما ذقتُ لحمَ الضأن
أنا الذي لا حولَ لي أو شأن
أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان،
أدعى إلى الموت.. ولم أدع الى المجالسة!!
تكلمي أيتها النبية المقدسة
تكلمي ..تكلمي".
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية