أتحفنا أمس مدير هيئة الاستثمار، بحكومة بشار الأسد، مدين علي دياب، أن هيئته والحكومة الرشيدة، وضعت برامج ترويجية أكثر فاعلية للترويج للفرص الاستثمارية التنموية، وتحقيق المنافع الاقتصادية والاجتماعية، بغية الوصول إلى مستثمر حقيقي يؤمن بالاستثمار الآمن المدعوم بالمزايا والضمانات الحقيقية في مرحلة إعادة الإعمار.
بصرف النظر عن السياسة، والتي ربما تقلباتها وعهر القائمين على رسمها وصناعتها، تعيد إنتاج الأسد الوريث لأجل، ولكن، هل من عاقل يأتي ليستثمر بسوريا، بواقع عودة القتال على جبهات حماة وحلب وإدلب، أو بظل الخلاف الأمريكي الروسي الذي سيبقي الحرب إلى حين يتوافقون على الاحتلال واقتسام كعكة الخراب، وخاصة بواقع النغمة الجديدة التي بدأت موسكو ودمشق تعزفها بالتوازي، حول ضرورة رحيل القوات الأمريكية من سوريا.
قلنا بعيدا عن السياسة وتجاذباتها، ربما نتفهم جُبن رأس المال، بل نعتبر التردد والتريث، من أبسط حقوق المستثمر، إذ لا يُعقل إدارة الأموال وفق مبدأ "يا الله شباب" أو ابتعاد التخطيط ودراسة الجدوى ثانياً، والبحث بكل تفاصيل المناخ الاستثماري، والشق القانوني منه، حتى قبل التسهيلات والإعفاءات، أولاً.
بالمقابل، نقدر وأيما تقدير، خبرة بعض أصحاب الرساميل، باختيار التوقيت المناسب للاستثمار، في مناطق ومناخات، يخالها غيرهم ساخنة وتوظيف الأموال فيها مجازفة، وربما هذا النوع، هو من يحصد الأرباح فضلاً عن توثيق العلاقات وبلوغ مراتب يغدو مجرد وجوده ببلد، ثقة وطمئنة لغيره من الأموال والمستثمرين.
إلا بالحالة السورية وما يقال عن استعداد الرساميل، الإقليمية والدولية، للدخول بـ"جني الأرباح" وحجز حصتهم من كعكة الخراب، لأنه و ببساطة، وبعيداً عن أي محدد، سياسي أو اقتصادي، لم يتم اتخاذ قرار بوقف الحرب، بل وحتى الهدن التي يتم فرضها، أو اتفاقات اقتسام النفوذ على الأرض، هما من الوهن والتناقض، ما يرجّح اشتعال حروب جديدة بين المحتلين، تهدم ربما أكثر مما هدمت حرب الأسد وشركائه عبر نيف وست سنوات.
قصارى القول: بات غني عن الشرح والتفصيل، أن كعكة إعادة الإعمار وبيع وتأجير ثروات سوريا ومقدراتها، هي الورقة الأخيرة بيد نظام الأسد، التي من خلالها، يسعى لإعادة الإنتاج والتعويم.
ومن المشاهد والملموس أيضاً، أن النظام، لا يتوانى عن منح شركائه، إن بموسكو أو طهران، عقود السبق وحصة الأسد، ليضمن ربما، بعد دخولهم الاستثمار، أن يأتي غيرهم ويوزع الكعكة على بلاد، كانت حتى الأمس القريب توصف "أصدقاء الشعب السوري".
ويعتمد الأسد ضمن حملته الترويجية "سوريا بخير" أن الحرب توقفت وبات مرحبا بالشركات والرساميل، ويستخدم أبواقاً عدة، منها شركات علاقات عامة وترويج أوروبية وعربية، ومنها وسائل إعلام ومسؤولين ورجال أعمال.
فعلى سبيل الذكر ليس إلا، قال الوزير اللبناني السابق، عبد الرحيم مراد إنّ الحرب السورية باتت في خواتيمها، وستبدأ عملية البناء مع بداية العام الجديد، وهذا يعني أن الجميع سيتوجهون للعمل في سوريا (اللبنانيون قبل السوريين)، عندها ستحلّ مشكلة السوريين الذين سيعودون للمساعدة في إعادة إعمار بلدهم.
وفي ما يشبه التحريض والتشويق، استخدمت جريدة "الأخبار" فعل "كشف" قبل أن أن تزف الخبر المصيدة "شركات تؤسّسها اليوم في ألمانيا قيادات لبنانية للاستثمار السري في سوريا، ويجري الحديث عن 200 مليار دولار كبداية لإعادة الإعمار".
بتعاط متوازن، يمكن اعتبار هؤلاء الساسة، ضمن من وصفناهم بأصحاب الخبرة، وأن لديهم معلومات أكيدة عن وقف الحرب، لذا بدأوا بالاستعداد للدخول بحلة أوروبية، لما لذلك من تفضيل، وخاصة بقطاعات محددة، كالصناعة والمصارف.
إلا أن العرج واقع، ولا يمكن الاستمرار بالتحليل المتوازن، نظراً لمؤشرات كثيرة، تدلل على استمرار النار تحت براميل بارود "المحتلين"، وخاصة بالمناطق الأكثر تهديماً وبالتالي أكثر استقطابا وحاجة للاستثمارات.
هذا إن قفزنا جدلاً، عن أن الأسد سيرمى به، بعد تأدية دوره الوظيفي، ما يجعل أي اتفاق مع نظامه، أو حتى الاستناد لمعلومات وطمأنات منهم، مجرد حماقة ومجازفة ربما بالمصير وليس برأس المال فقط.
نهاية القول: بعيداً عن الرأي الشخصي الذي قد يتخلله بعض عاطفة، ربما لا يتجرأ أي مستثمر بدخول أي مناخ، دون دراسة القانون والأمان والعملة وما إلى هنالك من مؤشرات.
بل ويذهب أي صاحب أموال عاقل، للتقارير الدولية، من وكالات التصنيف والبنك الدولي وسواهم، وكيف تقيّم تلك المؤسسات المناخ الاستثماري وبيئة الأعمال بالمنطقة المستهدفة.
وحينما يبحث أي مستثمر عن "أنشطة الأعمال" بسوريا، والتي تعتمد على عشر محددات رئيسة ومهمة، سيجد أن البنك الدولي أصدر قبل أيام تقريره لعام 2018 والذي حلت خلاله سوريا، بالمركز 19 عربياً من أصل 21 دولة، قبل اليمن وليبيا، وفي المرتبة 174 عالمياً من أصل 190 دولة.
وتقرير البنك الدولي هذا، كأنه يخاطب المستثمرين الذين يفكرون بالاستثمار بالمناطق الساخنة، أو سوريا على وجه التحديد، إذ تتركز معاييره، حول بدء النشاط التجاري، واستخراج تراخيص البناء، والحصول على الكهرباء، وتسجيل الملكية، والحصول على الائتمان، إضافة لحماية المستثمرين ودفع الضرائب والتجارة عبر الحدود وتسوية حالات التعثر.
وأما إن استقصى أي مستثمر، حول تلك المعايير، فسيجد أن العجز بالميزان التجاري في سورية بلغ نحو 831 مليار ليرة، وقيمة الصادرات لا تغطي أكثر من 7.45% من واردات سورية، كما أن حماية المستثمرين أو تسجيل الممتلكات بسورية وتنفيذ العقود، تعاني من استحالة أو مخاطر جمة على أقل تقدير، بواقع شبه غياب لدور الدولة.
وسيعلم بقليل بحث أو سؤال، أن سوريا اليوم، تعاني من أزمات اقتصادية ونقص حاد بموارد الطاقة، وبمقدمتها الكهرباء، كما بلغت خسائر الحرب المندلعة بسورية منذ ست سنوات، نحو 275 مليار دولار، وتراجعت المؤشرات المادية ومعدل النمو الاقتصادي إلى حد النمو السلبي في بعضها.
وانخفض الناتج الإجمالي المحلي خلال السنوات الماضية بأكثر من 55% من حوالي 60 مليار دولار إلى حوالي 27 مليار دولار وفق أسعار عام 2010.
وطبعاً سيسأل المستثمر عن نسبة الفقر والقدرة الشرائية للسوريين، ليعلم أن الفقر ناف 80% ووصل السوريون لبيع بيوتهم ليستمروا بمواجهة ظروف المعيشة بواقع نهج التفقير وتثبيت الأجور، لأن بمستوى المعيشة والقدرة الشرائية، مزيد إغراء لرأس المال، ليسترد أمواله ولو عبر دروة بطيئة، وخاصة بمنطقة مرشحة للاشتعال، كلما تحامق مستبد فيها، وصل للسلطة بانقلاب أو ورثها عن أبيه.
إذا، قد يكون رأس المال جباناً ويحسبها بدقة قبل أن يجازف بأي مشروع، وقد من نعت آخر، يبدو مقامراً، لكنه يستند لمعلومات وطمأنة، ولكن لم يقل حتى اليوم، عن رأس مال حمار، يمكن أن تنطلي عليه شعارات سوريا بخير وسواها، ليساهم ببقاء الأسد ويخسر ماله وربما نفسه.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية