أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

يا قدس.. لسه الشعب بخير...*

فتى فلسطيني في القدس يدافع - جيتي

لم تتخذ تركيا موقفاً من إسرائيل والولايات المتحدة، لكنها على الأرجح ستتخذ.

لم تتخذ إيران وسورية ولبنان، قراراً، حتى بتحريك الشارع ليرد على الخطوة التي لم يتجرأ رئيس أمريكي عليها، منذ تسعينيات القرن الفائت، وعلى الأرجح، لن تتخذ.

لم تأخذ مصر والسعودية والإمارات، مواقف جراء إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، نقل سفارة بلاده للقدس وإعلان المدينة المحتلة -الشرقية على الأقل- عاصمة لدول الاحتلال الاسرائيلي، ومن المؤكد أنها لن تتخذ.

بل ولم يتخذ الرئيس الأمريكي قراره، الذي يصفه حتى الساسة الأمريكيين بالغبي وإعلان الحرب، لولا ضوء أخضر من أكبر الدول العربية، ليس بنقل السفارة فقط، بل والعمل على تصفية القضية، لفتح صفحة جديدة مع الاحتلال الإسرائيلي، تتناسب وحكم الشباب بالمنطقة الذين لا يرون بإسرائيل دولة معادية.

بداية القول: خيّبت الشعوب العربية بالمشرق والمهاجرين منهم بكل أصقاع الدنيا، كما الشعوب الأوروبية والآسيوية، وربما الكورية الشمالية بمقدمتها، من رهان القادة وحتى مراكز الأبحاث، والتي تتفق أخيراً، على تدجين الشعوب وتأديبهم عبر تجارب وقصاصات عدة، ما حصل منها بدول ثورات الربيع العربي، وسوريا تحديداً أهمها.

فقامت مظاهرات غضب، لتؤكد أن الشعوب تمشي على بطونها ولا حتى على ذواكر التخويف، رغم كثير من الخلط، إن خلال التظاهرات، أو حتى من المراقبين، فرأينا مقاربات غير صحيحة، سياسياً ومنطقياً، منها على سبيل الذكر ليس إلا "لماذا ينتفض الشعب للقدس ولم ينتفض لتدمير حلب واحتلال دمشق وبغداد وبيروت وصنعاء"، وتابع الخالطون، إن لجهل أو لغايات "من قتلهم الاحتلال الإسرائيلي منذ 1948 حتى اليوم، لا يرقى لجزء ممن قتلهم نظام الأسد"، بل ورأينا نداءات تعدت الضرب من بعيد، وخاصة بالمملكة السعودية، التي لم تعد بإسرائيل عدوا...بل تراه بالفلسطينيين وقضيتهم.

ولسنا هنا بوارد تحليل تلك المقولات، على اختلاف مستوياتها، بيد أن ما يجدر ذكره، أن "حكم الشباب" بدول الخليج وتفشي الوعود الأمريكية، مضافا إلى خيبات الشعوب، والسوريين على وجه التحديد، دفع ببعض "المستعجلين" أو المكلفين بأدوار وظيفية، لنشر تلك الآراء، والتي على وجاهة بعضها، لكنها لا تمت للقضية الفلسطينية بشيء، وإن كان ضياع القدس، قد بدأ منذ إعدام الرئيس صدام حسين وتتالى عبر احتلال بغداد ودمشق وكشف النقاب عن وجوه حكام السعودية.

ويمكننا الاستدلال أيضاً، أن ثمة نتائج كارثية، جراء القهر والخذلان ببلدان الربيع العربي، بدأت تتكرس كقناعات، إن بدأت من تراجع النظر لإسرائيل كعدو، لا تنتهي عند الدعوات للقطرية..وربما للمناطقية والعشائرية.

قصارى القول: ربما تأخرت بعض الدول بإعلان موقف جاد، لتختبر مواقف بعضها، وريثما ترى ردود أفعال الشارع، فهل سيكون الدفاع عن عروبة القدس ردة فعل آنية، تتراجع بعد أيام، عقب مظاهرة وبيان وشجب وتنديد، أم تراها ستؤسس لانتفاضة داخل الأراضي المحتلة، ووعي جماهيري وإعادة الثقة، بدول المنطقة وربما العالم.

وجاءت الدعوة التركية، بواقع التردد والتخاذل العربي، لقمة طارئة يوم الأربعاء المقبل، لزعماء دول منظمة التعاون الإسلامي، هي الأبرز والأكثر ترقباً، ليس من الشارع والجماهير فقط، بل ومن الولايات المتحدة نفسها، والتي تعيش وأنقرة، علاقات متوترة لم يخفيها الرئيس التركي خلال دعوته للقمة، بل وتهديده بقطع العلاقات مع إسرائيل.

وربما تركيا لا تتردد، بقطع العلاقات مع تل أبيب وطرد السفير، إذ لها من هذه الأفعال سوابق، ربما أبرزها، في العام 2011، حينما طردت السفير وعلقت اتفاقاتها العسكرية مع إسرائيل، على خلفية رفض الأخيرة الاعتذار عن مداهمتها أسطول الحرية وقتل تسعة أتراك على متن سفينة "مرمرة".

أما بلاد العرب أوطاني وللأسف، فلا يوجد بالذاكرة لهم بوادر، عدا ما فعله الملك حسين عام 1970 مع السفير الأمريكي، وما فعله الرئيس المعتقل، محمد مرسي عام 2012، وقت أصدرت رئاسة الجمهورية بياناً ضد الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين، وقرر مرسي سحب السفير المصري لدى الاحتلال، وتكليف المندوب المصري لدى مجلس الأمن لدعوة عاجلة للتباحث حول اعتداء إسرائيل على الشعب الفلسطيني، وكذا استدعاء السفير الإسرائيلي في مصر وتسليمه رسالة احتجاج عما حدث في فلسطين، والتأكيد على ضرورة وقف الاعتداءات.

وربما المفاجأة، جاءت عبر طمأنة الولايات المتحدة من حسن نوايا العرب ودول الممانعة، إذ لم تشمل الرسالة التحذيرية التي أرسلتها الخارجية الأمريكية، مساء أول من أمس الجمعة، إلى 32 دولة عبر العالم، بعض الدول كالسعودية والإمارات وقطر وسوريا ولبنان وإيران.
وللاطلاع الدول هي: "فلسطين، وموريتانيا، والعراق، واليونان، وأفغانستان، ومصر، وتونس، وقبرص، ونيكاراغوا، وأرمينيا، وكندا، والنرويج، وبنغلاديش، وفنزويلا، والأردن، والمغرب، والجزائر، والنمسا، وتركيا، وفرنسا، والنرويج، وليتوانيا، وأوكرانيا، وايرلندا، وسلوفينيا، وباكستان، وإسبانيا، وإيطاليا، وبريطانيا، وألمانيا، والبرتغال، وبيلاروسيا".

نهاية القول: بصرف النظر عن أسباب اتخاذ ترامب القرار، سواء لإيمانه كما اليهود وكما معظم أصحاب المذهب البروتستانتي، أن إقامة الهيكل بالقدس ستعجّل بنزول المسيح، أو ليثبت أنه الرئيس الأكثر جرأة ورعونة أو حتى إن كان مبعث قراره مرضا نفسياً.

يبقى ما بعد القرار، والذي لن يكون ما قبله، أمران:

الأول أن الشعوب تنتظر وعود وشعارات الدول التي رفعتها، لتأتي القرارات متناسقة مع مواقف وأفعال الشعوب، وإلا سيكون قرار الرئيس الأمريكي، بمثابة إسقاط آخر وريقات التوت عن عري الجميع.

والأمر الثاني، أن الشعوب، وإن كانت ليست على درجة من الوعي السلبي، يصل لمستوى براغماتية السياسة والواقعية السياسية، فهي على الأقل، ليست ميتة كما حاول كثيرون الترويج، رغم كل الأوجاع التي أصابتها جراء قولها لا للديكتاتوريين، بل وفي خروج الشعوب عامة، وفي فلسطين على وجه التحديد، ورطة للمتقنعين بأثواب الممانعة ولواشنطن، التي إن ألغت قرارها، فهذا بالنسبة لها ولإسرائيل، مصيبة.. أما إن تعنتت، فالمصيبة أعظم.

ربما من جرعة أمل زائد بطرحي، وقد من تعويل على الشعوب إلى ما فوق الطاقة والإمكانية، بيد أن الأمل على الشارع هو الملاذ الوحيد والأخير، بأمة تتسابق للانبطاح على أعتاب حسينيات طهران أو مكانس "جمع كنيس" تل أبيب.

*عدنان عبدالرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
(180)    هل أعجبتك المقالة (179)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي