أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

المهزومون في جنيف.. فؤاد عبد العزيز*

دي ميستورا - جيتي

يفاوض النظام المعارضة على أنها المهزومة ويجب أن توقع على وثيقة استسلامها، بينما تفاوض المعارضة النظام على أنها لم تهزم بعد، ولازال بحوزتها قرار دولي قابل بأي لحظة أن يقلب الأمور رأسا على عقب حالما تريد الدول الكبرى ذلك.

أما ما تفعله روسيا، فهي أنها تدرك أهمية هذا القرار الدولي، لذلك هي تفعل ما بوسعها من أجل إبطال مفعوله، عبر دفع المعارضة نفسها للقبول بصيغة للحل خارج إطاره، وعندها لن يكون بمقدور أحد التدخل ما دامت المعارضة راضية. 

كيف تفعل روسيا ذلك..؟ بكل بساطة عندما بدأت بسلسلة مؤتمرات أستانة، التي استجلبت فيها المعارضة العسكرية لكي تعلن على الملأ أن الناس تعبت من الحرب وهي تريد الحل بأي صيغة يحفظ ما تبقى من أمنها فقط، وأنهم، أي المجتمعين في أستانة، هم صوت هؤلاء الناس الذين باتوا يشكلون الأغلبية. 

أما الخطوة الثانية التي قامت بها روسيا، بعد أن أخذت الاعتراف من المعارضة المسلحة بالتعب، أنها اتجهت إلى وفد المعارضة الأساسي المكلف بالتفاوض مع النظام في جنيف، وحاولت خلخلته عبر استبعاد الشخصيات الصلبة منه والإبقاء على الشخصيات الرخوة، ومن ثم إدخال ثلث معطل إلى هذا الوفد، بالتواطؤ من المملكة العربية السعودية، وهي منصة موسكو، التي أصبح بوسعها الآن أن تزيد من رخاوة الوفد المفاوض كلما قرر أن يشتد عوده. 

لذلك ما حدث في جولة جنيف الأخيرة قبل أيام، من استهتار وفد النظام بوفد المعارضة وتركه ذليلا وحيدا في جنيف، هو محصلة منطقية لما قبلت به المعارضة من الأساس خلال مؤتمر "الرياض2"، وعندما طلبنا من الدكتور نصر الحريري أن يحذو حذو زملائه في الهيئة العليا للتفاوض ويعلن استقالته، وأن يرفض هذه المهزلة، فهو لأن الصورة أصبحت واضحة، بأن روسيا تبحث عن وجه "سني" مقبول ويمثل الأكثرية، وبنفس الوقت يمكن ليّ ذراعه ودفعه للقبول بأي صيغة للحل بعيدا عن وثيقة جنيف واحد التي تقر الانتقال السياسي في سوريا. 

لكن دعونا نتخيل لو أن "نصر الحريري" رفض لعب هذا الدور، واستقال من الهيئة العليا للمفاوضات، فمن هي الشخصية التي يمكن أن تتولى هذه المهمة وتتمتع بنفس الصفات التي يملكها نصر..؟ 

بكل تأكيد سوف تكون المهمة صعبة كثيرا على موسكو، لأنه ليس بحوزتها بديل آخر سوى "أحمد الجربا"، وهي شخصية أحرقت جميع أوراقها لدى المعارضة السورية ولدى الثورة بنفس الوقت، ومن جهة ثانية، وعلى الرغم من أن الأموال التي حصل عليها الجربا من ورقة "اليانصيب" السعودية، حاول استثمارها جميعا في الموقف السياسي لروسيا، إلا أن هذه الأخيرة تدرك حجمه الحقيقي ضمن ورقة الحل السورية .. وهو حجم لا يعدو زعامة عشيرة، وحتى هذه قد لا يقبل بها أبناء عشيرته..!!

على أي حال، لا نبالغ إذا قلنا إن الأنظار كلها معلقة اليوم على موقع الدكتور نصر الحريري وموقفه ضمن هذه المفاوضات، فهو أمام خيارين، إما أن يكون قادرا على قلب الطاولة فوق رأس الجميع، عبر التمسك بثوابت الثورة وبمقررات مؤتمر جنيف واحد، وإما الاستقالة وإعادة خلط الأوراق إذا وجد بأن اللعبة التي تحاك أكبر منه، وأنه يجري استخدامه لفرض الحل الروسي للأزمة السورية. 

وفي جميع الحالات، من المبكر القول اليوم بأن الثورة السورية جرى هزيمتها، والصحيح أن المعارضة السياسية هي التي هزمت بكافة تصنيفاتها، ولو قررت هذه المعارضة أن تلتفت نصف استدارة إلى الخلف، إلى حيث الشعب الذي لايزال يتطلع إلى الحرية، لعرفت مكامن قوتها، لكنها للأسف قررت التطلع مؤخرا إلى من تم جلبهم إلى مؤتمر أستانة، ليقولوا أمامها: إننا نمثل المتعبين من الشعب السوري، وهؤلاء أصبحوا يشكلون الأغلبية اليوم. 

الحل واضح ضمن هذه الظروف، وهو العودة إلى الثورة في الداخل، لأن جمرتها لم تخمد بعد، وكل ما تحتاجه هو إعادة النفخ فيها، لتتقد من جديد.

*من كتاب "زمان الوصل"
(200)    هل أعجبتك المقالة (217)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي