ثمة إساءات تصل حدود الجرائم ولا تطاولها قوانين، تتفشى بالمجتمعات، وخاصة خلال التحولات والظروف العصيبة، فيجد بعض صيادي الفرص وهواة التسلق، في المناخات المختلطة، فرصة سانحة وعبر العيب، ليحققوا أهدافهم ومراميهم، بعيداً عن مطرقة القانون وعصا العقاب.
سأسوق أمثلة من تحت لفوق، لنفرض أن شخصاً جحر مثقفاً أو سياسياً، وازدراه عبر نظرة أو إيماءة، فهل تشمله مواد القوانين المعاقبة بالإساءة للآخرين، لا أعتقد، أوعلى الأقل بمعظم قوانين البلدان التي تلبس ثوب الحريات، مقلوباً.
ولنفترض أن متقنعا بثوب ثقافة، دعا للمساكنة أو عبّد طريق الخطيئة وروداً، بل وسخر من الأديان والطقوس الروحية دونما علم ودراية، بهدف الانتقاد والادعاء بالتحرر واعتناق العلمانية، فهل من نص يعاقبه على تهديم البنى الأخلاقية والقيمية بالمجتمع؟.
ولنفرض أن إنساناً تماماً، يغتنم مرحلة الاضطراب وخلل الميازين والتقييمات التي تعيشها المنطقة عموماً، فوشى إلى هذا ونقل زوراً لذاك وتقرب عبر الإطراء لثالث واستهدف رابعاً لغايات ترضي لأقوياء وأولياء نعمته، فهل يمكن رفع دعوى عليه، باعتباره رجلا سيئاً أو رخيصاً، أيضاً لا أظن أن قوانين الحقوقيين لحظت هكذا نوع، أو معظمهم على الأقل.
ولنفرض -آخر فرضية لا تملّوا- أن رجلاً نفعياً، يقدم معلومات لمنظمات ودول، ويتقرّب من أجهزة أمنية ومنظمات، ليتكسب وعلى حساب مصير الآخرين، بمن فيهم دولته، دونما أن يقع بمطب الجاسوسية، فهل من قانون يشمله لأنه دنيء وبلا حس وطني وأخلاق..أحسب أنه ينجو ويدخل نادي الأغنياء وربما الساسة، وفق معظم القوانين الوضعية بمنطقتنا.
إذا، ما العمل والحل مع هؤلاء "الُشطار" الذين يمرحون بين ثغرات القوانين، ليحلّقوا عبر فعائلهم المشينة، إلى ما فوق قامات المحترمين والمثقفين.
العمل أو الحل، جاء به الرئيس المصري الأسبق، محمد أنور السادات، عبر "قانون العيب" لكنه -القانون- جاء أيضاً منقوصاً، لأنه ُسخّر لما فيه مصلحة الحاكم، بعد أن ألبسه عباءة "التسيس" عنوة.
إذ أصدر السادات في 22 /يناير/ 1980، قانون "حماية القيم من العيب" الشهير بـ"قانون العيب"، بيد أنه، وكما أسلفنا، فرّغه من هدفه، بعد أن جاءت مادته الرئيسية على أن "كل من ارتكب ما ينطوي على إنكار الشرائع السماوية أو ما يتنافي مع أحكامها، إما تحريض النشء والشباب على الانحراف عن طريق الدعوة إلى التحلل من القيم الدينية أو عدم الولاء للوطن، يتعرض للعقوبة".
لكن قانون السادات وعلى علاته، تم إلغاؤه من المدعي العام الاشتراكي بمصر، خلال التعديلات الدستورية عام 2007، ليتفشى "العيب" ونبقى بلا قانون يردع دعاته ومروجيه.
قصارى القول: لكل فكرة موضوعة نكتبها، سبب ومحرض لا محالة، وفكرة "قانون العيب" أسداها لي "موظف صحفي" يعمل بذكاء بنظام الأسد، كتب أخيراً مقالة بعنوان "قانون الدم" وزع خلالها التهم على جميع السوريين الذين خرجوا على الظلم والديكتاتورية، دونما أن يشير لما فعله نظام الأسد، سواء من تأمين كل أسباب الثورة قبل آذار 2011، من تفقير وتطييف واستئثار بالسلطة، أو ما تصدى به لها، من قتل وتهجير، بل واستدعاء الاحتلال ليستقوي به على شعبه، بعد الثورة.
وخرج الموظف الأسدي بمنّة على السوريين، أن بعض الآراء بمزرعة سيده، تدعو لعدم معاقبة السوريين المطالبين بحريتهم وحقوقهم، وتدعو لمسامحتهم على أن يتوبوا ويرجعوا ويسبحوا بحمد القائد البطل الممانع، دون أن يأتي على سفك دم السوريين الأبرياء، علماً أن عنوانه قانون الدم.
طبعاً، بعد أن ناب "الموظف" عن الجميع، واعتبرهم "نادمين وطنياً" بعد أن تجرؤوا وتطاولوا وطالبوا بالعدالة الاجتماعية واقتسام السلطة والثروة، وسخّر كل ما لديه من رحمة ووطنية، ليغّلب رأي أنصار المسامحة، على أراء المطالبين بالقصاص أو تقبيل الحذاء العسكري، كما دعا كثر سابقاً، من أمثال عضو القيادة القطرية "مهدي دخل الله"، أو العميد القتيل "عصام زهر الدين"..أو الكوميديان "دريد لحّام".
نهاية القول: فيما لو بحثنا عن قانون يحاكم هذا المروّج لهزيمة السوريين والثورة، ويدس سم تبعيته ورخصه عبر دسم وعسل المسامحة والوطنية، ويتغافل بالآن نفسه، عن جميع الأسباب التي أوصلت سورية لما هي عليه، ابتداء من خوف قائده على "زعل خالته" وصولاً لرهن مصير سورية وثرواتها للمحتلين كرمى كرسي الوراثة، وما اقترفه "المسامحون" من جرائم ومحاولات ذل السوريين وتهجيرّهم أو قتلهم عبر أفتك الأسلحة، بما فيها الكيماوي، فعلى الأرجح لن نجد أي نص يحاكمه، بل وربما العكس، سنجد قوانين وكثيرة، ينص عليها "القائد" وإن شفوياً، ترفع من شأنه وتوصله لأحلامه بدولة لا يصل فيها، إلا الموالي الرخيص المسبح والحامد لنعماء القائد البطل الممانع.
لذا، وعود على بدء، ونظراً لما تقتضيه الظروف والتحولات بالمنطقة العربية، التي يزيد فيها المتكسّبون المراؤون، لابد من إصدار "قانون العيب" وحبذا ألا يكون، كقانون السادات، مقتله بنصوصه، فإن كرّس القائد وسياسته وتوجهه الروحي، فهو قانون نافد وقراراته قطعية، وأما إن أضر بالحكم الرشيد ومن والاه، فهو قانون فائض عن الحاجة، لابد من إلغائه مع هبوب أول رياح اشتراكية.
*عدنان عبدالرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية