تقوم المملكة العربية السعودية بسابقة غير معهودة في سياسة مواجهة الأخطار الخارجية، فهي لا تكتفي بالاستعداد الخارجي لهذه المعركة، بل تقوم بإعادة ترتيب بيتها الداخلي، وبصورة أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها لا تخدمها في معركتها الخارجية، فهل من المعقول أن تعلن دولة فتح مواجهة شاملة مع دولة أخرى، ومن ثم تقوم بنفس الوقت بحملة اعتقالات تطال رموزا مهمة في نظامها السياسي والعسكري والمالي..؟!
رموز .. رموز .. رموز ..؟
الرمز الأول يقول بأن المملكة العربية السعودية تريد أن تضرب أكثر من عصفور بحجر.. فما أعلنته من موقف تصعيدي اتجاه إيران والمجموعات الشيعية المرتبطة بها في المنطقة العربية، لا علاقة له بحملة الاعتقالات التي طالت أسماء كبيرة في داخلها، لأنها اعتقلت هؤلاء بقضايا تخص الفساد المالي بحسب قولها، بينما المواجهة مع إيران، هي موقف سياسي، وقد تكون بحاجة فيه لدعم هؤلاء الأمراء والوزراء ورجال الأعمال الذين أوقفتهم.
وما يعزز من وجود قراءة مختلفة لتزامن هذين الحدثين مع بعضهما، أن المملكة شكلت لجنة مكافحة الفساد برئاسة ولي العهد "محمد بن سلمان"، المختلف على أحقيته في الولاية، وهو ما يعني تمهيد الطريق له، لكي يتولى زعامة المملكة بدون معترضين، ولا بأس من بعض الإنجازات عبر استعادة مليارات المملكة المنهوبة بحوزة هؤلاء.
الرمز الثاني، هو سعد الحريري، الذي تم استدعاؤه للمملكة العربية السعودية على وجه السرعة، ليعلن بنفسه بداية فتح المواجهة مع إيران وحزب الله، في موقف مشابه، عندما تم استدعاء الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، قبل نحو عامين، ليعلن فتح المواجهة مع الحوثيين، وهو ما يعني بصورة أو بأخرى، بأن المملكة سيكون لها دور فاعل في عمل عسكري مباشر ضد حزب الله في لبنان.
أما الرمز الثالث والأهم، فهو من الذي سيكون صاحب الطلقة الأولى اتجاه حزب الله ومن ثم إيران ..؟ المملكة ذاتها وعلى نفس الطريقة اليمنية، أم إسرائيل وأمريكا..؟
عند هذه النقطة تحديدا، يجدر بنا أن نتوقف قليلا عند سلوك المملكة العربية السعودية في الأشهر الأخيرة، وبالذات بعد إعلان خلافها مع قطر ومحاولتها التقرب من بعض المرجعيات الشيعية الفاعلة في العراق، في مشهد قرأه الكثيرون أنه محاولة للتقرب من إيران.. كذلك هناك مشهد على درجة كبيرة من الأهمية، هو الثورة السورية، التي أوحت المملكة أن قراءتها اختلفت نحوها، وأنها باتت أقرب إلى فكرة إعادة تأهيل النظام منه إلى إسقاطه.
جميع هذه المشاهد والتطورات لا يمكن عزلها عما يجري حاليا من تغييرات أو انقلابات في بنية المملكة واستراتيجيتها، والتي قد يفسرها البعض على أن فيها ارتباكا وتخبطا.
لكن على أرض الواقع، على ما يبدو أن المملكة تسير بخطى واضحة نحو دولة جديدة بكل معنى الكلمة، تقوم فكرتها في البداية على تصفية أكبر قدر ممكن من الخصوم الداخليين من خلال اختلاق خطر خارجي، يلهي الرأي العام الداخلي، ويهيئ المناخ لمن سيتولى قيادة المملكة لاحقا، لكي يكون أكثر حرية في خياراته السياسية الداخلية والخارجية.
لذلك وبالعودة إلى السؤال حول من سيطلق الطلقة الأولى باتجاه حزب الله وإيران، نعتقد بأن إنهاء الدور الإيراني وأعوانه في المنطقة، هو أكبر بكثير من إمكانيات المملكة العربية السعودية السياسية والعسكرية، وكل من يظن بأن الطائرات السعودية سوف تحلق قريبا فوق مقرات حزب الله في لبنان أو سوريا، ربما يبيع الوهم لنفسه ولغيره، وحتى من يشير إلى إسرائيل بأنها هي من ستقوم بهذا الدور فهو كذلك غير متابع للتحركات الإيرانية على الأراضي السورية والتي استطاعت إيصال صواريخ حزب الله إلى مناطق قريبة من الحدود مع إسرائيل، من أجل رفع نبرة المساومة إلى حدود الاعتراف بالامتيازات الإيرانية في مشروعها الطائفي كأمر واقع.
يبقى لدينا الخيار الأمريكي، والذي يعمل بنعومة على تقليم أظافر إيران وحزب الله في سوريا، ولكن بما أن الجميع يستبعد المواجهة العسكرية المباشرة بين الطرفين، فإن ذلك يقلل من أهمية الدور الأمريكي وفاعليته.
إذا القراءة السياسية للأحداث المستجدة في المنطقة العربية، تقول بأن الغضب السعودي اتجاه سياسات إيران وأعوانها في المنطقة العربية، من المبكر بناء الآمال عليه، لأن المملكة بكل بساطة لم تعلن عن خطة واضحة لما تريد القيام به.
المشروع الوحيد الواضح لديها حتى الآن، هو تثبيت أركان الحكم لولي العهد محمد بن سلمان، اللهم إلا إذا كان محمد بن سلمان، هو المسيح المخلص من كل شيء. عندها ما علينا سوى الانتظار.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية