ربما لم يشهد رفعت الأسد "80 عاماً" نتائج مؤتمر "أستانة سيكس" الذي اختتم بالعاصمة الكازاخية، إن صدقت الأنباء حول موت الأسد، فإن لم يك من حكمة بالأمر، فعلى الأقل، هناك صلة ووثيقة جداً.
فالمؤتمر الذي أعلن التوصل خلاله لإقامة أربع مناطق لخفض التصعيد، على أنها تدابير مؤقتة، تمدد تلقائياً، بناء على توافق الضامنين، ريثما يتم التوصل للحل النهائي.
أضاف -المؤتمر- إيران كضامن لتنفيذ خفض التصعيد، وجاء ببيانه الختامي "حكومة الجمهورية العربية السورية" في مقابل "المعارضة السورية المسلحة" و"الأطراف المتنازعة" لتنسف وبالكامل أي صلة لما جرى بسوريا للثورة، بل الأمر برمته تمرد مجموعات مسلحة على حكومة شرعية، ولعل قادم الزمن، سيؤكد للسوريين أي مطبات كانت بهاتيك الصياغة.
وليقفز المؤتمر على أن إيران ليس شريكاً بقتل السوريين، أو سبب عدم سقوط الأسد، كما قفز سابقه على روسيا ودورها بالقتل والتهديم واعتبار أرض سوريا ساحة لتجريب الأسلحة والسوريين فئران تجارب، وتحويل موسكو إلى راع وضامن نزيه بقضية السوريين.
ونتائج "أستانة"، كمثال عن سابقيه بجنيف وعلى الأرجح، لاحقيه بالعاصمة الكازاخية كما وعدونا بنهاية أكتوبر المقبل، تتشابه بالمضمون تماماً مع أسئلة ونتائج محاكمة القاضي الفرنسي، رونو فان رويمبيك، الذي غرق خلال استجوابه رفعت الأسد قبل أشهر، بأسباب تكتم الأسد عن ثرواته وحقوق ضريبة التضامن عن الثروة.
فالقاضي الفرنسي الشهير الذي لم يأت ولو بذكر، خلال محاكمة الأسد، على نيف وثلاثين ألف قتيل بحماة، أو تشظي جثث ألف سجين عام 1980 في تدمر على جدران الزنزانات، اكتفى بما يتعلق بحقوق فرنسا بالضرائب، بل واكتفى بالإجابة البليغة التي تتشابه ولدرجة التطابق مضموناً، مع إجابات البشارين، الجعفري والأسد " "أقسم لك، لا أملك أي شيء"، قبل أن يضيف: "ربما أمتلك بعض الأشياء من دون علمي".
وأمام ذكاء وإلحاح القاضي الفرنسي، اضطر الأسد للقول: "مصادر الأموال من العاهلين السعوديين، فهد وعبد الله، منحاني إياها بطريقة ناعمة ودبلوماسية". فانتهى التحقيق وجرّم رفعت الأسد بجناية التهرب الضريبي..وتهمة الرشى للسعودية وهو ما ربما تؤول إليه بعض نتائج توزيع التهم بثورة السوريين.
وبالأمس، وخلال مثال آخر عن سلوك ديمقراطي من بلد آخر ادعى نصرة الثورة وتأييد السوريين، شرعت السلطات البريطانية في تجميد ممتلكات تصل قيمتها لملايين الجنيهات، تعود لرفعت الأسد، والسبب تهرب ضريبي وسعي لاستحقاقات المملكة العظمي.
وربما غدا تتبع الدول الديمقراطية الغربية، التي يمتلك الأسد فيها عقارات وأملاكا وأرصدة، بمتابعته قضائياً، إذ الشمس لا تغيب هناك وثمة بالوقت بقية، إذ أول دعوى قضائية رفعتها فرنسا منذ أربع سنوات، ولكن لما يتعلق بمسائل لها علاقة بالنزاهة والفساد والتهرب الضريبي، وليس لجنايات تتعلق بقتل السوريين، رغم أنه ملاحق ولاجئ بأوروبا منذ نحو ثلاثة عقود فقط.
خلاصة القول: ثمة فارق شاسع، بين مفهوم الحق والحقيقة، بيننا كسوريين وبين من نوليهم أمورنا، ولا نتكلم هنا عن شرط توفر القوة لتحصيل الحقوق.
فالغرب الذي يلاحق رفعت الأسد، حتى بعد موته، لقضايا فساد وتهرب ضريبي ليس إلا، هو الغرب ذاته الذي اكتفى باستلام أداة جريمة ابن أخيه بشار، بعد مجزرة الغوطة عام 2013 والتي راح ضحيتها زهاء 1500 سوري اختناقا بغاز السارين.
والغرب ذاته هو من سيفاجئنا غداً، بالتهافت على اقتسام كعكة خراب سوريا، عبر عقود إعادة الإعمار، بعد إعادة إنتاج الأسد، لنواصل حملات الندب والاستعطاف ونعت الغرب بعدم العدالة ونصرة الظالم.
طبعاً دون أن نستقي من التاريخ أي عبرة، في أن السياسة علم ومراس ومصالح، ولا مكان فيها للهواة والجوعى، كما لا حصة ترجى للحوق والأخلاق والقيم.
وعلى الأرجح أي طرح لما يجب فعله، سيدخل في خانة شرح المشروح وإعادة المعاد والبديهي، فمن تصدر المشهد السياسي والعسكري وحتى معظم الثقافي، حققوا جلّ طموحاتهم من الثورة، وهم على جهوزية، للتشكيك ببعضهم وإصدار صكوك البراءة والوطنية والغفران، حتى تنتهي "المؤامرة" ويعود كلٌ منهم إلى حيث أمن خط العودة، إن بحضن الأسد أو بأحضان اللجوء.
*عدنان عبد الرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية