للتمهيد ننظر في تطابق الجذر المنهجي والفكري بين "اسرائيل"، ومنظومة الولي الفقيه والأنطمة التي تتبعها ضمن المقاربة التالية: ربما تستوقف القارىء في الكتب المقدسة جُملٌ وعبارات ذات وقعٍ جارح على النفس الإنسانية المُهذبة، ومنها مثلًا: {فالآن اقتلوا كلَّ ذكرٍ من الأطفال، واقتلوا أيضًا كلَّ امرأةٍ ضاجعت رجلًا، ولكن استحيوا لكم كلَّ عذراء لم تضاجع رجلًا.} (العهد القديم: العدد:31: القضاء على المديانيين18،17).
وبالعموم، نجد أن العصبويات الأيديولوجية التي أخذت شكل النظام السياسي كاسرائيل، ونظام ولي الفقيه الإيراني، ونظام الطغمة في سورية أيضًا، تستند جميعها إلى قاعدة أيديولوجية واسعة، قوامها النصوص الدينية، أو الدنيوية، المقدسة، أو التي تمّ تقديسها، والمشابهة لهذا النص.
وتَمدُّها هذه القاعدة بالمواد اللازمة لخلق العنف الضروري، كضرورة لخدمة غاياتها السياسية الهمجية، التي أدت إلى ارتكاب مجازر، كـ"دير ياسين"، و"كفر قاسم"، و"الحولة"، و"الغوطة"، و"خان شيخون"، وغيرها. واستندت اسرائيل إليها أيضًا لتضمن أن "ينتصب الرب للمخاصمة"، ويُهزم الضمير لصالح "رب الجنود". هكذا يتمّ تسخير الماضي في الحاضر الوليد ليصبح كلاهما مصدرين لعقلنة اللامعقول ولبناء شرعية الهدم والاستيطان.
تخلق هذه النصوص المقدّسة (الدينية والدنيوية) وأمثالها، وأحيانًا طرق فهمها وتأويلها، مساحةً واسعة، ومناسبة لتوجيه السلوك الإنساني في اتجاه صناعة العنف وإعادة إنتاجه بالعموم، وذلك عبر وضع قواعد ممنهجة للعنف تستمد تأثيرها السحري من دلالاتٍ ذات طابع قِيمي، فوق إنساني متعالٍ على كافة الحقوق الدنيوية، بما فيها حق الحياة. وتلعب السياسة كحرفة في هذه المساحة، وبشكلٍ خاص عندما تستهدف إنتاج فكرٍ عنيفٍ مقدس، لا يجذب المقاتلين ويزيد عددهم فحسب، بل يجعل موتَهم في ساحاتِ القتال فكرةً مستساغةً لهم، ولذويهم من بعدهم. وتشكِّل هذه النصوص مادة الفكر القاتل ومضمونه، أما أدواته الأساسية بالعموم اثنتان: الأولى تطبيع الاستحضار الدائم لأحداثٍ تاريخية دينية بعد تحميلها بشحناتٍ ذات طابع إسطوري تراكمي، كخراب هيكل سليمان والتباكي عليه، وكالمحرقة اليهودية (الهولوكوست) حديثًا، ثم المبالغة فيها وارتكاب الجرائم بذريعة الانتقام ورد المظلومية؛ والثانية الحرص على الحفاظ على تعذيب النفس واعتباره طقسًا مهمًا من طقوس العبادة، بل جعله طقسًا مُستدامًا (البكاء والنحيب والمراثي اليهودية مثالًا) الأمر الذي يحقق لوم الذات عند استحضار الماضي، ويديم الذكرى، ويجعل النفوس توّاقة للحظة الانتقام.
تعمل السياسة في هذا المثال (اسرائيل كدولة) على تحديد الآخر، ثم تعمل أيضًا (اسرائيل كمنظومة أيديولوجية) على استخدام المقدس لتبرير العنف ضد شريحة متغيرة تختارها من هذا الآخر. وبمحاولة اختبار صحة هذه التنيجة المجردة على حالة محور الممانعة والمقاومة المنضوي تحت إيران والذي يقدّم نفسه كنقيض أخلاقي لإسرائيل، نجد وللمفارقة أن هذا الاستنتاج ينطبق تمامًا على التيار الذي يشرعن وجوده وأشكال عنفه جميعها بدلالة ممانعة ومقاومة هذا الفكر الاسرائيلي ومخرجاته وسلوكياته. فيعمل الولي الفقيه والحرس الثوري على تحديد أعداء الأمة، ثم تعمل المنظومة الشيعية الأيديولوجية على تقديس القتال الذي تسمية "واجب جهادي مقدس"، حتى لو كان في سورية، والبحرين، واليمن، والخليج، وليس في فلسطين المحتلة.
ودأب حزب الله على استخدام هذه العبارة لنعي عناصره الذين يقتلون في سورية. لا يتطابق جذر المادة الفكرية في المثالين فحسب، بل تتطابق في العمق أداتا تنفيذ الفكر الأساسيتان: الأداة الأولى استحضار دائم للماضي (الحالة الأولى: استحضار هدم الهيكل والتباكي عليه/الحالة الثانية: استحضار قتل الحسين والتباكي عليه)، والأداة الثانية تعذيب النفس كجزء من طقوس دينية دائمة (الحالة الأولى: النحيب والمراثي/الحالة الثانية: اللطميات وضرب الجسد والبكاء)، الأمر الذي يؤجج مشاعر الانتقام من أحدٍ ما، وتأخذ سلطة الولي الفقيه السياسية على عاتقها تحديد هذا الأحد بالشكل الذي تراه مناسبًا، لتضمن الاستثمار الأمثل في هذه الطاقة الكامنة في التجهيل الممنهج ما قبل الإنسانوي.
بالتجريد تعمل السياسة في كلا المثالين على تسييس الديني في الباطن، وعلى تَديُّن السياسة في الظاهر. وهذا ما يؤكد تطابق الجذر المنهجي والفكري لاسرائيل وإيران والنظام السوري.
كان أحد "مجاهدي" النظام برتبة جنرال أمينًا لهذا النهج في فهمه لمسألة اللاجئين، وذلك استنادًا إلى مبدأ "بن غوريون" (أول رئيس وزراء للكيان الصهيوني وأحد مؤسسيه). سواء كان مدركًا لذلك أم لم يكن مدركًا، فلقد تجلت "بنغوريونية "زهر الدين" في نمط تفكيره بالعموم، وفي النقاط التالية بالخصوص:
1- وصف اللاجئين المهجرين قسرًا بـ"الهاربين"، وكذلك فعل بن غوريون حيث يقول الأخير: "لكل قصة براهين ودلائل، كيف هرب هؤلاء (يقصد اللاجئين الفلسطينيين)؟ وبما أنني مطلع على الموضوع، أقول لكم إن غالبية هؤلاء هربوا قبل قيام الدولة بملء إرادتهم، حتى إن الهاغاناه قالت لهم ابقوا هنا..."
2- سوق الجميع بعصا واحدة دون تحديد جرمه أو سبب خروجه، وهكذا أيضًا فعل بن غوريون حيث يقول: "في موقع الفعل لا حاجة للتمييز بين المذنب والبريء".
3- شرعنة العقل الإرهابي بذريعة مكافحة الإرهاب، هذا كان مبدأ خطاب بن غوريون والمؤسسة الصهيونية، وهذا ما تعنيه في العمق تلك النصيحة "المأخوذة من الدقن".
4- عدم الاكتراث واللامبالاة والاستهزاء بالسياسة الدولية، بل بمنظومة الدولة كلها، على حد تعبير "الجنرال المجاهد" "لن نسامح ولن ننسى حتى لو سامحت الدولة". وهكذا يرى بن غوريون حيث يقول: "ليس المهم ما سيقول العالم المهم أن نبقى".
على الرغم من تطابق الذهنيتين في الإجرام، فإني على يقين أن هذا الجنرال تائه وسطحي ومثير لشفقة لا يستحقها، على خلاف "بن غوريون" الخبيث والمحنك.
وأخيرًا: نصيحة للنظام السوري "من الدقن"، عندما تتشبه باسرائيل حاول أن تستتر، وذلك أضعف الإيمان.
*كاتب سوري - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية