أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"سانا" تفقد كبير المخبرين*

الكاتب: كان أحمد ضوا، بارعا في التعامل مع أجهزة المخابرات - ارشيف

أقال رئيس وزراء النظام عماد خميس مدير الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) أحمد ضوا بعد نحو ست سنوات ونصف على توليه هذا المنصب والذي تزامن مع انطلاق شرارة الثورة السورية في العام 2011. 

قرار إقالة ضوا لاقى ترحيبا كبيرا من العاملين في الوكالة، إذ كتب بعضهم على صفحته الشخصية في "فيسبوك" مرحبا بالقرار ومعربا عن سعادته بأنه سيذهب اليوم إلى العمل دون أن يراه أو يسمع صوته، بينما عنون موقع "سيرياستيبس" الموالي للنظام خبر الإقالة على الشكل التالي: "رئيس الحكومة يفرجها على سانا بإقالة ضوا".

إذا، هناك تذمر عام من وجود ضوا على رأس وكالة "سانا"، وهذا التذمر يعود إلى ما قبل توليه منصب المدير العام، وعندما كان مديرا للتحرير في الوكالة، فهو كان معروفا عنه أنه لا يفهم من الصحافة شيئا، ومع ذلك قام النظام، وفي ذروة الحاجة لتقديم إصلاحات بعد اندلاع الثورة، بتعيينه مديرا لأهم وسيلة إعلام في البلد، كونها تعتبر المبلور للموقف السياسي الرسمي بالنسبة لوسائل الإعلام العالمية والمحلية. 
قصة أحمد ضوا، بدون مبالغة، تلخص فترة حكم بشار الأسد لسوريا، والأسباب الموجبة لقيام الثورة عليه.. فبعد فترة انفراج بسيطة في الصحافة شهدتها في بداية حكمه، عادت الصحافة بعد العام 2004، لتحكم من قبل أجهزة المخابرات، وعبر ممثليهم في وسائل الإعلام.
وكان ضوا أحد أولئك "الصحفيين" الذي لم يكن يملك من مؤهلات مهنية، سوى انتمائه الطائفي الذي جعله بشكل أتوماتيكي قريبا من أجهزة المخابرات والسلطة. وقد تميزت الفترة من العام 2005 وحتى العام 2011، بصعود نجم العديد من الصحفيين، الذين كانوا يمتلكون نفس مؤهلات أحمد ضوا، وهؤلاء خلال سنوات بسيطة، غزوا جميع وسائل الإعلام، بما فيها الخاصة، وتولوا مناصب قيادية فيها، وكانت لهم كلمة الفصل، والصولة والجولة فيها، حتى لو لم يكونوا على رأس إداراتها. 

وكل من هو مطلع على تركيبة وسائل الإعلام في سوريا خلال فترة حكم بشار الأسد، يعرف معنى كلامي .. إذ كان النظام، يلجأ إلى تعيين الأسماء الصحفية المشهورة والمعروفة في إدارات تلك الوسائل، ثم لا يلبث أن يعزلها بعد ستة أشهر أو سنة، من أجل أن يحرقها بالكامل، ويعمد بعد ذلك إلى تعيين المقربين منه، وبالذات من أبناء طائفته، بحجة أن البلد تتعرض لمخاطر كبيرة، وليس مهما الجوانب المهنية، مقابل مواجهة هذه المؤامرات وعدم السماح بتمريرها. 

وعلى هذا الأساس، صعد نجم أحمد ضوا، وسط دهشة جميع جمهور الصحفيين، والمقربين منه، والذين كان يعلمون أن الرجل لا يملك القدرة على صياغة خبر، فكيف يتم تعيينه مديرا لتحرير ومن ثم مديرا لوكالة، قوامها الخبر ..؟!

لكن من جهة ثانية، كان أحمد ضوا، بارعا في التعامل مع أجهزة المخابرات، ويستخدم نفس طريقتهم في الكلام والتصرف، وهو سلوك طبيعي عندما يكون الشخص غير متمكن من مهنته ، فهو يحاول أن يغلف ضعفه المهني بقوة أخرى.

وعلى هذا الأساس كان العاملون في الوكالة يخشون منه، ويحسبون ألف حساب"، بمن في ذلك أبناء طائفته. ولهذا فإن أول من تجرأ على الفرحة برحيله، هم أولئك الذين كنا نعتقد أنهم يحظون برعاية خاصة منه، لكن تبين أنه لا يوفر أباه في الأذى مقابل أن يحافظ على موقعه في السلطة. 

ذكر لي مرة أحد الصحفيين، من الذين درسوا معه، وأدوا الخدمة العسكرية سوية، أن لقبه بين زملائه كان "الحمار"، وذلك بسبب "مخه السميك"، وعندما تولى منصب المدير العام لوكالة "سانا"، أبدى استغرابه كيف تسند إليه مهمة إدارة أهم وسيلة إعلام في البلد لمثل هذا الشخص، ثم تساءل: كيف سيديرها وهو الذي لا يعرف ألف باء الصحافة..؟!

بالنسبة لي، وخلال عملي في وكالة "سانا"، كنت قليل الاحتكاك به، رغم معرفتي السابقة به قبل قدومي إلى الوكالة.. لكن عندما بدأت الثورة، وكان لايزال مديرا للتحرير، حدثت مشادة بيني وبين إحدى الزميلات، على خلفية شتمها لأهل درعا لأنهم قاموا بالثورة..يومها جاءني أحمد ضوا الساعة الحادية عشر ليلا، وكان ذلك في بداية شهر نيسان ابريل من عام 2011، وجلس قبالتي في صالة التحرير في الوكالة، وقال لي بالحرف: ما قصة المشاكل بينك وبين فلانة، وعرفت أنها ذهبت إليه وأخبرته.. لم يدعني أعلق بشيء، ثم باغتني بالقول: هل تنتقل إلى مكتب سانا في درعا..؟ 

فوافقت على الفور، ويومها عرفت أنه غبي جدا.. فكيف ترسل من يتعاطف مع الثورة إلى مهد الثورة..؟ لكنه والحق يقال، قدم لي أهم خدمة في حياتي، لأنني في اليوم التالي، بدل أن أذهب إلى مكتب الوكالة في درعا، ذهبت إلى المسجد العمري، حيث الاعتصام.. ويومها عرفت أن الثورة قامت وسوف تستمر بفعل غباء هؤلاء.

*فؤاد عبدالعزيز - من كتاب "زمان الوصل"
(250)    هل أعجبتك المقالة (260)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي