لم تعد خبرا ملفتا، تصريحات لؤي حسين رئيس تيار بناء الدولة "المعارض"، المتكررة، والتي تدعو لبقاء الأسد في السلطة بحجة الحفاظ على الدولة السورية، فهو في أكثر من موقعة ومنذ سنوات الثورة الأولى، تميزت مواقفه السياسية بالميوعة، وبعدم وجود إشكال كبير بينه وبين نظام الأسد ككل.
منذ التقيت بلؤي حسين بشكل شخصي واستمعت لحديثه وآرائه، وكان ذلك قبل أكثر من أربع سنوات، ولم يكن وقتها موجودا لا "داعش" ولا "النصرة"، قلت لمن هم حولي، إن هذا "الشاب"، ليس معارضا، وإنما لديه بعض الاعتراضات على أداء نظام الأسد، والتي تتعلق في أغلبها بمنح المزيد من الحريات للمثقفين فقط، وسوى ذلك، فإنه كثيرا ما كان يتقمص طريقة ضباط المخابرات في الكلام والسلوك.
عندما تم اعتقاله في نهاية العام 2013، شعرت بأنني ظلمته، وظل هذا الشعور يرافقني إلى أن التقيت مرة بصديق تشارك معه سجن عدرا خلال فترة اعتقاله، حيث روى لي أشياء غريبة عجيبة عن كيفية تعامل السجان المميزة مع لؤي حسين، وكيف أنهم كانوا ينادونه بالأستاذ، ويحملون حقيبته ويمشون خلفه، ويدعونه يستخدم الموبايل متى يشاء، ويكتب المقالات للصحف، إضافة إلى أنه لم يتم حلق شعره على الصفر كما هي العادة مع نزلاء سجن عدرا، وعدا عن ذلك فإن الغرفة التي تم سجنها فيها، تعتبر فندقا من فئة الأربع نجوم بحسب وصف هذا الصديق، وكان يتشارك معه فيها ضابط كبير من طرطوس، ومعارض آخر شهير نتحفظ على ذكر اسمه.
وكلنا يعلم المسرحية التي خرج بها لؤي حسين من سوريا، عندما ذهب إلى مناطق الأكراد في الشمال بحجة التنسيق معهم، ثم فوجئ الجميع به، بعد أيام، في الأراضي التركية، وفي مهمة تهدف إلى اختراق الائتلاف الوطني بالدرجة الأولى وزعزعة بنيانه..ومن بؤس رئيس الائتلاف "خالد خوجة"، في تلك الفترة، أنه اعتبر الحوار مع لؤي حسين، بأنه يشكل إضافة جديدة لعمل المعارضة، ويومها أقنعه بإزاحة علم الثورة عن المؤتمر الصحفي الذي عقداه سوية، وبدا فيه الخوجة قزما وحسين عملاقا.
غير أن العملاق سرعان ما كشف أوراقه عبر مقالاته التي واظب على نشرها في جريدة "الحياة" اللندنية، وآرائه التي كان يكتبها على صفحته الشخصية على "فيسبوك"، فهي في شكلها العام تبدو منطقية في تحليلها، غير أن القلم كان يخونه في كل مرة، ويمرر بعض العبارات والمواقف، التي يرسل من خلالها تحياته للجيش السوري البطل وأجهزة المخابرات، التي تحافظ على وحدة سوريا في وجه التنظيمات الإسلامية المتطرفة.
أما جديد لؤي حسين، فهو ما كتبه بالأمس على صفحته في "فيسبوك"، والتي أعلن فيها صراحة أن يده ممدودة لمن يرضى ببقاء الأسد في السلطة ومن يرفض "فليتمدد على بسطات البالة".
وبرر حسين موقفه الصريح بالقول "مَن لا يشترط رحيل الأسد قبل أي عملية سياسية لا يكون يقبل بالأسد، بل يكون يضع مصلحة الوطن فوق كل شيء. وأن مَن يشترطون رحيله المسبق فهؤلاء يضرون بالوطن أكثر مما يضر به الأسد بشكل مطلق".
واستعان حسين، في بداية منشوره، بالموقف الفرنسي الجديد من أجل تدعيم فكرته "لم يعد صادما أن تكرر فرنسا على لسان وزير خارجيتها بأنه من أجل إطلاق العملية السياسية الانتقالية في سوريا، لا يجوز طرح أي شروط مسبقة مهما كانت، بما في ذلك رحيل الأسد. وأن يؤكد من جديد أن فرنسا لا تعتبر أن الأسد بحد ذاته يجب أن يكون مستهدفا بالعملية السياسية. علما أن فرنسا كانت أول دولة تشترط في خريف 2011 رحيل الأسد لبدء العملية السياسية".
ليس هناك وضوح أكثر من ذلك، بأن لؤي حسين، لم يكن أكثر من حالة داخل مجتمع النظام، كانت تعترض على أداء بشار الأسد في السلطة وممارساته الصبيانية، بينما لم يكن لديه مشكلة أن يتولى أخوه ماهر السلطة، أو آصف شوكت قبل أن تجرفه قنابل الاغتيال .. وهو توجه يمثله الكثير من المعارضين من الطائفة العلوية..وأعتقد أن لهم بعض العذر في هذا الموقف.. فهم يشعرون أنهم يتحملون إثم نظام، لم يشاركوا به، وبنفس الوقت، لا يستطيعون أن يلقوا بجميع أوراقهم داخل الثورة ويتخلون عن مجتمعهم الذي يعمل أغلبه من أجهزة الجيش والمخابرات، وهم من الأساس كان لديهم مخاوف ألا تستوعبهم الثورة، كما هم وبكامل انتماءاتهم الاجتماعية والطائفية .. وهو ما حدث بالفعل، إذ إن الثورة لم تقبل المترددين أو من يطالبون بالمزيد من التطمينات، بل كانت أشبه بالسيل الجارف، وسلكت تقريبا نفس سلوك النظام، من ليس معنا بالكامل فهو ضدنا.
وعلى ما يبدو فإن لؤي حسين أدرك منذ البداية، أنه ليس بوسعه أن يكون مع الثورة بـ "عجرها وبجرها".
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية