خلال 24 ساعة عشتُ كسوري رافض للاستبداد ومُحب للمنتخب، مشاعر غاية في التناقض، فمن تذكر أن لي وطنا سببه كرة القدم، إلى الخزي والعار تجاه من لا يزال يُجبر الناس على "شكر سيادة الرئيس" وانتصارات ما يسمونه بـ"الجيش العربي السوري".
سواء أُجبر "عمر السومة" و"فراس الخطيب" على "شكر سيادة الرئيس" ومباركة انتصارات جيشه، أو قاموا بذلك من تلقاء أنفسهم، فإن الحقيقة الراسخة أمامنا هو أننا أمام المزيد من الشقاق لدى السوريين.
شقاق ازداد سعيره مع وصول منتخب سوريا إلى الجولات الأخيرة من التصفيات الآسيوية المؤهلة إلى مونديال روسيا 2018، حين انقسم السوريون بين داعم للمنتخب بصفته منتخب "سوريا الأسد"، وداعم للمنتخب باعتباره سيرسم فرحة لشعب حزين، ورافض لهذا الفريق معتبراً إياه "منتخب البراميل" و"مبيض وجه الديكتاتور".
ثلاث فئات تقريباً تخندق فيها معظم المواطنين في الداخل والخارج، (إضافةً للمتجاهل والمترقب والداعم الصامت والرافض الصامت ووو).
الفئة التي دعمت المنتخب مطالبةً فصل الرياضة عن السياسة وهي في الوقت عينه ترفض الاستبداد والإجرام الحاصل في البلاد، ناضلت حتى الفصل الأخير من الحكاية، وذكّرت معارضي دعم المنتخب بأنهم يمارسون قمعاً للحريات يشبه ما قام به النظام طوال فترة تسلمه للحكم وحتى اليوم.
ولكن أي دفاع اليوم بعدما رأينا "السومة" و"الخطيب" جناحي المعارضة في المنتخب يشكرون رأس النظام الأعلى ومحل جدل وخلاف السوريين أجمعين.
صحيح "السومة" و"الخطيب" لم يعودا جناحي المعارضة، فالأول عاد إلى دمشق ودخل من قاعة شرف مطارها وتصور تحت صورة "بشار الأسد"، والثاني عاد للمنتخب فقط.
لكن كان يمكن أن تبقى الأمور هادئة قليلاً لو انتهت إلى هذا الحد، ولو أننا نلوم "الخطيب" بداية على قبوله أن يعامل أنه تحت ظل الأسد، كان يمكن للخطيب وهو الكبير والخبير والمُقدّر؛ أن يقول لا أريد استقبالاً رسمياً ولا ولا، لو لم يقبلوا بدورهم سيفضحون أنفسهم.
*ثقافة إهداء "السيد الرئيس"
شكر رجل قامت ملايين من الناس ضده أخجل من دعم المنتخب واضعاً على الجرح ملح وعارفاً أن النظام سيستخدم أي انتصار ولو في طاولة الزهر لمصلحة وجهه الأسود.
شكركما يا فراس وعمر أفسد محاولاتنا المستميتة لزرع أمل ولو بسيط في داخلنا لسوريا مرتجاة لا تخضع للديكتاتور.
وحتى ليلة أمس أمام مذيع لا يعرف أسماء المنتخب ولم تغير السنون فيه ذرة تشبيح واحدة، كان بإمكان الخطيب والسومة أن يشترطا عدم التكلم بالسياسة ولو أن فرعاً أمنياً واحداً تجرأ على محاسبتهما فإن الموضوع سيشكل فضيحة عالمية جديدة لنظام البراميل.
كان يمكن أن يطير السومة من طهران إلى جدة، وأن يهدي تأهل المنتخب لـ"جهاد قصاب" لاعب منتخب سوريا ونادي الكرامة الذي استشهد تحت التعذيب.
ليس على هواء قناة "سما"، ولكن لمراسل أجنبي مثلاً... كان يمكن أن يرتدي "فراس الخطيب" فانيلة تحت فانيلة المنتخب مكتوب عليها "حمص" أو "حلب" أو "درعا"... فقط، وكان ذلك سيكون كافياً ولو للحظة... أن يقنعنا بأننا سنتغير.
أكاد أجزم أن "السومة" و"الخطيب" أُجبرا قسرياً وفي لحظة مقيتة جداً على ما قالاه، مثلما أجبر ملايين من السوريين على التأييد، لأن مقاطع الفيديو التي يغني فيها عدد من اللاعبين بعد المباراة "أها هي هي شقينا الإيرانية" تعطي بعض الإشارات لرفضهم ومعارضتهم.
قتلت قناة سما -كما كانت وستبقى- كل أمل وكل فرحة لدى ناس لا يريدون أن يخضعوا لبشار الأسد ولكن لديهم بارقة أمل في اسم سوريا وحدها خالياً من أي كنية.
سوريا مرت بعدة مراحل... "سوريا المستقلة" بعد 1946، و"سوريا الانقلابات"، ثم "سوريا الأسد" ثم "سوريا تقول نعم" ثم "سوريا الحرة"، ثم "سوريا بخير" وقبل الأخيرة "سوريا معرض دمشق الدولي".
أخيراً "سوريا المنتخب الشاكر لسيادته". يا لهول شقاقنا وفقدنا.... بعدما ظننا واهمين أن صورة منتخب ذهبية المتوسط الذي حمل صورة حافظ الأسد انتهت وأن اللاعبين تنبهوا لعدم إهداء أي قيادي لأي إنجاز أعادتنا قناة سما إلى نقطة الصفر.
مقولة "مهدي دخل الله" على فظاعتها فهي واقع، لا يريدون لأحد أن يعود قبل أن يقبّل البسطار العسكري.... قبّل وخذ وطناً... وطنا مُكنّى.
*عواد أتاسي - مشاركة لـ"زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية