لو وقفنا من خطاب بشار الأسد الأخير، الذي بصق خلاله على العالم الديمقراطي والمتحضر، فقط على فقرة "لن نسمح للأعداء والإرهابيين، بأن يحققوا بالسياسة ما عجزوا عن تحقيقه بالميدان "وأخذنا بالحسبان التبدلات الإقليمية والدولية، من ثورة السوريين ومطالبها، لجاز لنا لوم- كأبسط تعبير وأكثره تهذيباً- كل من يسعى للتفاوض وتوسيع الهيئة العليا، بل وربما -أكثر من لوم- لكل من بقي ضمن أي مؤسسة أو كيان سياسي معارض، فلم يستقل كتعبير أدنى، عن اللاجدوى واستمالة المجتمع الدولي لإعادة إنتاج نظام بشار الأسد.
ولكن، هل هذا- اللوم أو حتى الهروب- من السياسة بشيء؟!
كما الأهم، ما هي البدائل فيما لو رفض السوريون التفاوض، مع نظام اعترف العالم، كل العالم، أنه مجرم واكتفى ذات يوم كيماوي أتى على نيف و1500 سوري مدني بغوطة دمشق، بسحب أداة الجريمة.
وأعلن وعبر غير زعيم ورئيس، عن السماح للأسد بقتل السوريين...ولكن بغير السلاح الكيماوي!
قصارى القول: عرف نظام الأسد، وبمساعدة ومشورة أنصاره وحلفائه وحتى من ادعى صداقة السوريين وثورتهم، من تغيير كامل "عناصر اللعبة" فحوّل الثورة الأحق ربما بالتاريخ الحديث، إلى صراع على السلطة وحرب على الإرهاب، وتنكّر حتى لصوفية قادتها الأوائل ومشروعية مطالبهم، التي سبق له وبحديث سابق، أن اعترف بسلمتها، خلال الأشهر الستة الأولى من انطلاقتها.
وعرف هؤلاء جميعهم، كيف يرمون المعارضة، أو ممثليها السياسيين على الأقل، في دوامات وإغراقهم بتفاصيل، عرّت من عرّت ودفعت البعض للترويج لمقولة العين والمخرز ..وربما بقادمات الأيام، يجمّل هؤلاء حضن الوطن، بعد شبه التوافق على بقاء الأسد بالسلطة.
ما يدفع للسؤال، ومن منطلق سياسي واقعي و"ممكن"، ما الحل بواقع يزداد سوداوية ووقوف دعاة التحرر والديمقراطية، إلى جانب الأسد والتضييق والإملاء تباعاً، على من تبقى على دين المعارضة ومطالب الثوار.
ربما الحل الأمثل، وبعيداً عن الاستعراض والفتوحات القولية العريضة، التي لا تستند إلى أي واقع وواقعية، أن تنطلق المعارضة من التفاصيل، وتبدأ بحرب نظام الأسد بسلاحه.
كيف يكون ذلك؟!
فيما لو لم تطالب الوفود المعارضة بتنحي بشار الأسد، وهذا لا يعني أنها تقبل به طبعاً، وتلتفت إلى مطالب ممكنة التحقيق وتأخذ النظام برمته، وليس رأسه فحسب، إلى المحاكم الدولية، وليس للتنحي فقط .
وهناك من الملفات لا حصر لها، تعطي للمعارضة نقاط قوة وتُضعف نظام الأسد الذي وعبر ذريعة محاربة الإرهاب، يؤثر على وضع المعارضة ووفودها بدوامات تنسيها ما يجب عليها طلبه وقوله.
فضلاً، وربما هو الأهم بهذه الآونة، أن تلك النقاط أو الملفات، محط إجماع من كل من يعارض أو يدعي المعارضة، بما فيهم منصة موسكو وحتى "حميميم" ومنصات سقف الوطن الجالسة بحضن الوطن.
ولعل ملفي المعتقلين والقتل تحت التعذيب فقط، وفيما لو أُحسن طرحهما وإدارتهما، فهما يكفلان تغيير النظرة والمواقف الدولية التي بدأت تستمال لبشار الأسد.
كما لا ضير من أن تطلب المعارضة تغيير الدستور، ولا تترك هذه الورقة بيد النظام، حتى لو ناغت من خلالها القتلة بموسكو الذين يروجون لضرورة تغيير الدستور.
وعلى ذلك، من أمثلة يطول ذكرها وشرحها طويلاً، فالأسد وبالدلائل من أوجد الإرهاب الذي يتذرع بمحاربته، والأسد وبالدلائل من بدد مقدرات الشعب وأمواله، والأسد وبالدلائل من يؤجر ويرهن ويبيع حقوق ومصادر ثروات السوريين لحماته بطهران وموسكو، والأسد اليوم وبالدلائل، من يرخص لشركات وهمية، لآله وصحبه وشركائه، لتتقاسم مع شركائه بالحرب كعكة خراب سوريا.
فهل كل تلك القضايا، والتي كل واحدة منها على حدة، كفيلة بخلاص السوريين، من النظام الوريث الديكتاتوري، غير واضحة بالنسبة للمعارضة وقادتها الغارقين بتوسعة وفد الهيئة العليا ويعترضون على هذه المنصة ويحتجون على مطالب تلك، ما يؤكد أنهم هواة ومن السهل إلهاؤهم حيث يريد من يريد للأسد أن يبقى ويتمددا.
ولا أعتقد وضوح تلك النقاط، يتجلى بذكرها فقط، كعنوان ضمن اللقاءات الاستعراضية التي كثرت هذه الآونة، وكأن موسم غسيل أموال الداعمين يلهث وراء ما تبقى من شمس حقيقة للثورة، قبل أن تغيب ويحل على السوريين شتاء طويلا.
نهاية القول: على الأرجح، لن تبقى الولايات المتحدة الأمريكية، ولفترة طويلة بلا منصة، بل والأرجح أن تسارع لبناء منصة خاصة بها، يكون- أيضاً على الأرجح- لأصحاب الرساميل السورية، مكاناً بارزاً فيها.
فما الذي يمكن فعله استباقياً، للتدخل بشكل ومضمون وأهداف "منصة واشنطن" التي بات لها على الأرض، نفوذ احتلالي وهيمنة على منابع سوريا الغذائية والمائية والنفطية.
وربما من لزوم ما لا يلزم التذكير، أن الاقتصاد هو المحرك الرئيس، لإدارة ترامب وليس لشخصه واستثماراته فقط، وسوريا بلد أكثر من غني لجهة ما تمتلك تحت الأرض من نفط وغاز، وما حباها الله من جغرافيا، فضلاً عن إغراء إعادة الإعمار، بعد أن نافت خسائر حرب الأسد على الثورة، 275 مليار دولار.
اخرجوا يا سرّاق ثورة السوريين وحلمهم، من الدوائر التي يرسموها لكم، فثمة وكثير جداً، ما يمكن أن يغيّر من ملامح الثورة الآخذة بالتلاشي...ربما مؤتمر واشنطن الذي بدأت الولايات المتحدة الدعوة له...بعض بعضها.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية