أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الطغمة الحاكمة هي الأقلية الوحيدة في سورية*... مضر الدبس*

من ضحايا الطغمة الحاكمة - ارشيف

غالبًا ما يجد الكاتب في الشؤون السورية نفسه مضطرا لتكرار نفسِهِ، وخصوصًا إذا اسنتد إلى معطياتٍ موضوعية، ومنطق عقلاني في التحليل والاستنتاج، ومازال مستمرًا في ذلك.

ولا يعود ذلك إلى رغبة الكاتب الموضوعي في التكرار، بل يعود إلى سكون المشهد المعرفي السوري حاليًا، أو إلى استناد المشهد المعرفي والسياسي السوري إلى أرضية منهجية ومعرفية مخلخلة، ومتهالكة، لا يتم تحديثها؛ فلا تنتج إلا نتائج متهالكة من جنسها، وتقدم القديم نفسه باسمٍ جديد.

ومن هذه المواضيع المُكررة _والمتكررة_"مسألة الأقليات". حيث عادت مؤخرًا لتفرض نفسها_بتوتر_على طاولة النقاش السوري، وذلك بعد أن تم نشر ورقة ركيكة حول ذلك، وتم تقديمها على أنها "نتائج المفاوضات التي جرت في استنبول في نهاية شهر أيار/مايو الماضي بين ممثلي الأقليات المتعددة في سورية"؛ أو في رواية أخرى: إنها نتاج للورشة البحثية التي دعى إليها أحد مراكز الدراسات، بالتنسيق مع أحد القوى السياسية السورية.

وبالعموم، ربما يكون من المفيد، في هذا السياق، إعادة طرح النقاط التالية من أجل نقاش موضوعي هادف_أو في محاولةٍ لتكوين نقاش أكثر موضوعية للمسألة:

أولًا: إن المنطق الذي يدّعي أن للأقليات الدينية_أو الأكثرية الدينية_صوتا سياسيا واحدا، وبالتالي يفترض إمكانية تمثيله بأفراد أو تجمعات؛ هو منطق سطحي وساذج وخطير. ذلك لأنه يشذ عن أبسط حقوق التعبير السياسي، ويخلط بين الانتماء السياسي المُعرَّف بدلالة دولة وطنية، وبين الانتماء الثقافي والديني الذي يندرج في سياق المجتمع المدني: الذي يتعدد ثقافيًا ودينيًا وأيديولوجيًا، ولكن يندمج وطنيًا على المستوى السياسي.

ثانيًا: على أبناء "الأقلية" التخلي عن التفكير الذي يستند إلى "منطلقات أقلوية"، تجعل صاحبها يشعر بالحاجة الدائمة للتمييز والحماية، وتحمل في عمقها ما يشبه العقدة، وتقف عائقاً أمام الاندماج الوطني. وبالمقابل على أبناء "الأكثرية" احتضان المشروع الوطني، وجعله دائمًا بابًا مفتوحًا للعبور إلى الوطنية، والمساواة السياسية، التي لا تقيم وزنًا للدين أو الإثنية أو الجنس أو المحمولات الشخصية، وتعلي من شأن الإنسان السوري كونه إنسانا سوريا فحسب. 

ثالثًا: تخلق فكرة حماية الأقليات، بشكلها المتداول، ضبابية، وإشكالات على طريق المواطنة والديمقراطية والاندماج الوطني، ومن الضروري تجاوز عقدة الأقلية والأكثرية لصالح اندماج وطني: همّه الأساسي حماية الإنسان السوري والحفاظ على حقوقه وحريته وكرامته. فالاندماج الوطني يقوم في معارضة مفاهيم الصهر والتذويب والتمثل، وهو مؤسس على المبدأ الديمقراطي، مبدأ المواطنة والمساواة أمام القانون، والسعي إليه هو بالضرورة سير نحو الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة.

رابعًا: هناك رؤية معيقة للاندماج الوطني، تتعامل مع الأقليات، والإثنيات والطوائف، على أنها هويات ثابتة وماهيات وجواهر مُعرّفة بذاتها. وتتغذى هذه الرؤية من خلال اعتبار العرق أو الدين أو المذهب هوية ومرجعية، وافتراض النقاء والتجانس فيها، ومرد ذلك إلى ضبابية الدلالات والمفاهيم وانتفاء الحدود، لا بين الأصل والهوية فقط، ولا بين الديني والسياسي فحسب، بل بين جميع مجالات الحياة السياسية والاجتماعية المختلفة، وكذلك انتفاء الحدود بين الدولة والسلطة، وبين الدولة والمجتمع المدني.

خامسًا: إن قوام الوحدة الفعلية هو التعدد والتنوع والاختلاف والتعارض، وشتان بين معالجة مسألة الأقليات من منطلق الوحدة ومعالجتها من منطلق التجزئة أو استخدامها لتبرير القتل والتدمير.
سادسًا: كانت الأكثرية عبر تاريخ سورية حاملةً للمشروع الوطني، وكان هذا المشروع ومازال بوابة الأقليات للاندماج الوطني، وإن الطغمة التي تقتل السوريين لا يمكن أن تكون حامية إلا لنفسها ولمطامعها ولممارساتها التسلطية.

سابعًا: مفهوم العلمانية يعني حياد الدولة الإيجابي اتجاه كافة الأديان والأيدولوجيات، وخطاب الطغمة الحاكمة الذي يدّعي العلمانية، بدلالة اقترابه من مجتمعات الأقليات، ليس إلا كذبة من جملة أكاذيب وادعاءات، فلا يمكن لنظام الحزب العقائدي الواحد الذي يُقدّس الفرد ويُصادر الدولة أن يكون علمانياً. كما لا يمكن لأي تجمع يتبنى هذه المنهجية نفسها أن يهتدي إلى معنى العلمانية الصحيح، بل يستخدمه شعارًا فارغًا وغير منتج.

وأخيرًا، نعتقد أن التوصيف السليم اليوم يفيدنا بالتالي: في سورية اليوم أقلية واحدة فقط، هي الطغمة الحاكمة وميليشياتها، ومن يشد على يدها، هي الجماعة التي لم تراكم ما يكفي من مخزون أخلاقي يمكنها من أن تكون في مسار الكرامة والحرية، بل قادها نقصٌ مزمن في الأخلاق إلى أن تكون في حقل الإذلال والقتل والإجرام والعبودية والهمجية... السوريون الأحرار الوطنيون جميعهم، الذين تقاتلهم هذه الأقلية الهمجية، هم الأكثرية السورية الحرة، التي يمكن أن تبني سورية على أساس وطني، وحديث، وديمقراطي، ويمتلك قدرًا وفيرًا من العدالة الإنسانية ليحتضن السوريين جميعهم.

*الرئيس التنفيذي لحزب الجمهورية - كاتب سوري
(216)    هل أعجبتك المقالة (209)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي