منذ أكثر من عام وأنا أحاول أن أبحث في التاريخ المعاصر عن أزمة شبيهة بالأزمة السورية، لكي تكون لدينا مقاربة عن طبيعة نهاية هذه الأزمة.
وفي الحقيقة، وجدت أن الوضع في سوريا لا يوجد ما يشبهه في التاريخ حالة بعينها من حيث البدايات والنهايات، ولكن من حيث السياقات، فقد وقعت على الكثير من الأحداث القريبة الشبه بالأزمة السورية ولكن ليس بالضرورة أن تكون النهايات متشابهة.
منها على سبيل المثال الحرب الأهلية الإسبانية، إذ إن حجم التدخل الدولي في هذه الأزمة أدى في النهاية إلى تحويل انقلاب يقوده العسكر إلى حرب أهلية استمرت من عام 1936 إلى العام 1974، وأدت إلى تدمير البلد وقتل وتشريد الملايين من الاسبان، وكل ذلك بسبب تدخل الغرباء العسكري المباشر، وعلى غرار ما يحدث الآن في سوريا.
فقد دعم هتلر وموسلليني الجنرال فرانكو قائد الانقلاب، فيما دعم الروس الحكومة الجمهورية التي كانت أقرب إلى الشيوعية وردا على دعم هتلر، بينما وقف الأوروبيون في البداية متفرجين، لأن فرانكو المتوافق مع هتلر لا يناسبهم، وكذلك الحكومة الجمهورية القريبة من ستالين.. ثم ما لبثوا أن تدخلوا عبر إرسال مقاتلين متطوعين من كل الدول الأوروبية، وتحت شعارات ثقافية أحيانا .. والمفارقة أنك كنت تجد متطوعين إيطاليين وبريطانيين وفرنسيين يقاتلون بعضهم البعض على الأرض الإسبانية، لأن كل منهم كان يقاتل مع الطرف الذي يشعر أنه يتوافق معه، ولم تنته الحرب الأهلية إلا بخروج الغرباء كلهم وجلوس أبناء البلد الواحد مع بعضهم البعض، وقد تلوثت أيديهم جميعا بالدماء والجرائم، ولا أفضلية لطرف فيهم على آخر..
ولا نغفل كذلك دور الكنيسة ورجال الدين في تأجيج الصراع خلال الحرب الأهلية الإسبانية، فقد تأسس على غرار ما يحدث في سوريا، كتائب من المتدينين المسيحيين وبتسميات شبيهة بتسميات كتائب ابن تيمية وجبهة النصرة وجيش الإسلام، وهؤلاء تم تعبئتهم بأن الشيوعيين الملحدين يريدون أن يحكموا إسبانيا.. وكانت النتيجة أن قتل خلال الحرب عدد كبير من رجال الدين المسيحيين وتدمر إرث هائل من الكنائس الفاخرة التي كانت تتمتع بها اسبانيا وبنتها من حروبها الاستعمارية في دول أمريكا اللاتينية.
هذا السياق الذي مضت به الحرب الأهلية الإسبانية، هو قريب الشبه، ما يحدث في سوريا اليوم، من حيث نسب الغرباء المتدخلين في الأزمة، ومن حيث إن الدعم المقدم لجميع الأطراف كان مدروسا ولا يسمح بتفوق طرف على آخر، وكذلك من حيث الدور الروسي على وجه الخصوص، إذ إن السوفييت في تلك الفترة أرسلوا بوارجهم إلى إسبانيا وقاتلوا برجالهم إلى جانب الحكومة الجمهورية، ودمرت طائراتهم أجمل المدن الإسبانية، في الوقت الذي كانت تدمر فيه الطائرات الألمانية أجمل المدن الإسبانية غير الخاضعة لسيطرة فرانكو.
وحتى عندما بدأت الحرب العالمية الثانية، زاد الصراع على الأرض الإسبانية بين جميع هذه الأطراف، وعلى الرغم أن الجنرال فرانكو رفض الدخول في الحرب إلى جانب هتلر، لكنه مكن هذا الأخير من الاقتصاد الاسباني وأمده بكل الإمكانيات لزيادة صناعته الحربية، ولعل ذلك هو ما دفع الأوروبيين لأن يتركوا الإسبان يتصارعون حتى العام 1974، وإلى أن أنهكوا جميعا وقبلوا الجلوس مع بعضهم البعض.
إن استراتيجية الأوربيين ومنذ ذلك الوقت، تقوم على عدم التدخل مباشرة في الصراعات الدامية داخل البلد الواحد، وعندما لا يكون هذا البلد يعنيهم، وهو درس تعلموه من حربين عالميتين سابقتين، وطبقوه في أزمة البلقان في التسعينيات من القرن الماضي، بحيث تركوا البلد تتدمر ويتهجر أهلها بالكامل، ثم تدخلوا بعدها لوقف الحرب، وعندما ضمنوا أنه لن تقوم قائمة لدولة اسمها البوسنة والهرسك. واللافت أنهم تدخلوا لصالح البوسنيين ..!!
بكل الأحوال، ينطبق على الأزمة السورية حتى الآن نموذج الحرب الأهلية الاسبانية ونموذج حرب البلقان، ففي هاتين الحربين لعب الروس دورا كبيرا في إيقاد نيرانهما، ومن ثم تركوهما لمصيرهما وتحت رحمة المصلح الأمريكي الأوروبي.
وبالنسبة للأزمة السورية، لا أرى نهاية لها، أفضل مما كتب مرة الشاعر والمسرحي الكبير محمد الماغوط: "كل طبخة سياسية في المنطقة أمريكا تعدها وروسيا توقد تحتها وأوروبا تبردها وإسرائيل تأكلها والعرب يغسلون الصحون". المتغير الجديد هو إسرائيل، لذلك جميع العرب ينتظرون اليوم، كيف تريد إسرائيل أن تأكل سوريا، وذلك من أجل أن يجلوا الصحون .. وشكرا للأنظمة العربية المباركة.
الأنظمة العربية: لا شكر على واجب.
*فؤاد عبد العزيز - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية