الرواية الرائجة عما يحدث في المنطقة العربية، تشكل أكبر عملية تزييف للوقائع الكبرى، التي تزلزل وجود المنطقة ومصيرها، ولمن يريد أن يعرف سطوة تلك الرواية، وأثرها في غسل العقول والأدمغة، عليه أن يتابع ما تبثه وسائل الإعلام في دول المراكز والأطراف حول "ظاهرة الإرهاب الإسلامي"، وإرجاع مصادر شرورها المتنقلة التي أصابت الكثير من دول العالم، إلى البيئات العربية والإسلامية، ودورها في انتشار خطاب التطرف الإسلامي، ومسؤوليتها عن وصول قنابله الموقوتة إلى أحضان العالم الحر. ذاك هو عصب الرواية، الذي يُراد من خلاله التعامل مع الصراعات السياسية في المنطقة، في سياقات متواترة من التضليل الممنهج، وقلب الحقائق في وضح النهار، وتنبري لهذه المهمة الجوّالة، كبرى المؤسسات المؤثرة في تكوين اتجاهات الرأي العام.
يتلاقى على هذا الوصف المبتور عن حقائق الواقع العربي، وأوضاعه التاريخية، مختلف القوى والنخب الحاكمة في دول متعددة، لا تبدل خلافاتها السياسية حول الملفات العالقة بينها، من توافقها جميعاً على إقناع شعوبها بكافة الوسائل الحداثية، أن العرب يصدّرون الإرهاب للعالم، ليس بأقل من تصديرهم النفط والغاز، وقوافل اللاجئين، وتسعى كل دولة وفق خطابها الشعبوي، إلى إغلاق العقول على هذه الفكرة المُعلّبة، وتصليبها بكل ما يلزم من تفاصيل وأمثلة لا تحصى.
على وقع هذه الرواية الجارفة في طريقها جذور الأزمات التاريخية في المنطقة، وصراعاتها المتفجرة، يتواصل مسلسل التعميّة، وتجهيل دور العوامل الموضوعية، التي أدت إلى تفاقم الأزمة البنيوية في الواقع العربي.
من أكبر وأخطر تلك العوامل الصلبة، الأدوار التاريخية التي لعبتها الحكومات الغربية، بهدف احتجاز تطور الشعوب العربية، والحيلولة دون إنجاز تحررها الوطني الناجز، ليس فقط من خلال مخططات التقسيم التي بدأت في سايكس – بيكو عام 1916، وما نجم عنها من فروض الوصاية السياسية والاقتصادية على الدول العربية، فقد اتضح الأشد خطورة منها، في تهيئة الظروف التاريخية والسياسية، لإقامة الدولة الصهيونية في قلب العالم العربي في عام 1948.
بما يحقق وظائف وأهدافا أبعد من بروباغندا الغرب الكولونيالي – وقتذاك- لحل المسألة اليهودية، أو ما اصطلح على تسميته بالمسألة الشرقية.
إذ استهدفت القوى الغربية في دعمها تأسيس تلك الثكنة الاستيطانية بكل أسباب الحياة والبقاء، منع العرب من بناء منظومة سياسية وتنموية، تكون رافعة نهوضهم وقوتهم بعد الحرب العالمية الثانية، لاسيما مع حقبة اكتشاف الثروة النفطية في الخليج العربي، واستباق ما يمكن أن يصنعه غنى الموارد البشرية مع الثروات الوطنية في إطلاق عجلة النهضة الموعودة.
كان وجود "إسرائيل" ضرورة لتقويض كل فرص ومحاولات بناء نظام إقليمي، يكون العرب محوره، وقاعدته، وعروته الوثقى، وكيما تتحقق تلك الوظيفة الإمبريالية التي شكلت "إسرائيل" أداتها الرئيسية، جرى العمل بأساليب مختلفة لتدجين وتطويع حكام الدول العربية، إما بتصعيد بعضهم إلى سدة الحكم ودعم بقائهم وحمايتهم، أو ترهيب بعضهم الآخر بالقوة في حال التمرد على مشاريع الهيمنة الخارجية.
أنبتت تلك الحقائق التاريخية المتراكمة، محصلات الفشل الذريع، سواء في مواجهة الثكنة الاسرائيلية، أو بناء دول وطنية حديثة، وضاعف من نتائجها الكارثية في الحقبة الأخيرة، التآمر على الثورات العربية، وإجهاضها عبر الثورات المضادة.
لم يكن ممكناً فصل تلك الحقائق والانسدادات التاريخية المقترنة بها، عن مجمل ظواهر التخلف والاستبداد والتطرف التي انتصبت في المنطقة، بوصفها البيئة الضرورية لهندسة شرق أوسط جديد، بدأ الاشتغال عليه فعلياً في وقت مبكر، منذ دعوة الآب الروحي للحركة الصهيونية ثيودور هرتسل، قبل وفاته بقليل مطلع القرن العشرين، إلى بناء "كومنولث شرق أوسطي" تكون فيه إسرائيل – حتى قبل الإعلان عن وجودها الفعلي عام 1948- سيدة المنطقة، وشرطي الغرب فيها، والقوة القادرة على فرض تعاون إقليمي مع كيانات عربية ضعيفة.
بالمقابل نجم عن تلك المظالم التاريخية الصارخة، والتي تفجّرت في مرحلة توحش الأنظمة المستبدة، ومثالها الأبشع النظام السوري، مشاعر الغضب والحقد والكراهية، لدى جمهور عريض من الشعوب العربية المنكوبة والمقهورة، بسبب سياسات الغرب الظالمة في دعم إسرائيل، والتواطؤ مع الأنظمة الفاشلة، والسكوت عن جرائمها.
المفارقة المؤلمة أن القوى التي تتحمل قدرا كبيرا من المسؤولية، عن المشهد العربي الكارثي في صورته الراهنة، ترى في رواية "الإرهاب الإسلامي" الذي أسهمت بصناعة شبكاته المتطرفة، وتغذيتها حتى تورّمت، لتحقيق مشاريعها في إضعاف وتفتيت الواقع العربي، بمثابة "التعويذة المقدسة" التي يتم من خلالها إخراس الحقائق الكاشفة، عن هوية القوى والأطراف المعادية لحقوق الشعوب العربية، وتطلعاتها المشروعة في التحرر من كافة أشكال الاحتلال والطغيان. علاوةً على ذلك أصبحت تهمة "الإرهاب الإسلامي" مطيّة لأجندات سياسية متعددة، فهو الوسمة التي تستخدمها بعض الأنظمة لتجريم الشعوب المطالبة بالتغيير والحرية، والمشجب الذي تعلق عليه الدول الكبرى، تدخلاتها السافرة في دول المنطقة، والذريعة التي تبرر فيها القوى اليمينية في الغرب، معاداة اللاجئين والتضييق على حياتهم.
لا يعني كل ذلك تبرئة المجتمعات العربية من أمراض ومشكلات تاريخية مزمنة، بل على العكس كلما تفتح وعي الشعوب العربية للمشكلات الكامنة، في بنية تفكيرها وثقافتها ووعيها، سوف تكون أقدر على مواجهة المخططات التي تستهدف أوطانها. لا ريب أن ثمة مسؤولية كبيرة تقع على عاتق القوى العربية الحية، ونخبها الوطنية الفاعلة، في تسليط الضوء على الرواية الحقيقية لشعوبنا التوّاقة للخلاص من شأفة الاستبداد، والتحرر من الاحتلالات الخارجية، وبناء دولة المواطنة والقانون، وهو ما يتطلب تصحيح الصورة المقلوبة التي تروجها "رواية الإرهاب" كي لا تبقى روايتنا الحقيقية طيّ الطمس والتلاعب.
*كاتب سوري - مساهمة لــ"زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية