ترابطٌ، أقلّه في الموضوع، ولا نتحدث عن الحقيقة، بين حديثي النائب الجمهوري العتيق جون ماكين وهنري كيسنجر أحد مخططي سياسات العالم، حول الموقف من إيران، الأول يقول إنها أخطر من تنظيم "الدولة الإسلامية" والثاني يرى أنها ستكون النقطة التي تنطلق منها الحرب العالمية الثالثة.
اللافت في التصريحين أن ما أعلنه ماكين يتجاوز الموقف المعلن للإدارة الأمريكية الذي يرى أن محاربة الإرهاب أولوية في تحركها العسكري الخارجي، وتأتي بعده الضرورات الأخرى، فيما يقترب تصريح كيسنجر من التخريف، حسب وصف مراقبين، وهو الرجل التسعيني.
وشيء آخر يبدو أكثر أهمية هو تزامن التصريحين واتفاقهما على الرؤية باتجاه تصنيف إيران العدو الأول، والذي تتمحور حولها سياسة أمريكا في الشرق الأوسط، وأن تترافق كذلك مع تزايد التدفق العسكري الأمريكي إلى شمال وجنوب سوريا، وهذا بدوره يتزامن مع نشر إيران للآلاف من عناصر المجموعات الشيعية التي تتبع لها في البادية السورية باتجاه معبر التنف، ووصول ميليشيا "الحشد الشعبي" العراقية إلى الحدود السورية.
المعطيات تشير إلى أن إيران تتحرك بجرأة كبيرة غير مدركة للخطر الذي يلوح في الأفق غير البعيد، حيث أرسلت حشودا من ميليشياتها مع جيش الأسد باتجاه المنطقة الساخنة الأخرى في الجنوب السوري.
في ظل هذه التحرك المتصاعد من الطرفين، بات الوضع ينذر بصدام بدت ملامحه باستهداف طيران التحالف لرتلين عسكريين مشتركين للنظام والميلشيات الإيرانية كانا في طريقهما إلى معبر التنف الحدودي.
جون ماكين السياسي الجمهوري المحنك دعا منذ بداية الثورة السورية لاتخاذ موقف حازم من نظام الأسد، ويحمل الرجل كراهية غير مألوفة في أمريكا لإيران التي تدعم الأسد، ويرى فيها عدوا لأمريكا، ولكن من غير الوارد أن يتأثر بكراهيته هذه ويعلن موقفا بكل هذا السقف المرتفع لولا أن هناك أمرا ما كبيرا يجري التحضير له.
ومنذ سبعينات القرن الماضي، ومع بزوغ نجم كيسنجر وإشرافه على هندسة أسوأ وأهم أحداث المنطقة، أثبت ثعلب السياسة الخارجية الأمريكية وأحد أهم مستشاري كل الرؤساء أن كل ما صرح به أو خطط له كان يحدث بدقة، فالرجل لا يتحدث من فراغ، وهو على اطلاع كامل المخططات السياسية في الدول الفاعلة بالعالم، وكثيرا ما يقدم استشاراته ونصائحه لعدد منها.
محللون يرون أن كيسنجر هو مخطط العلاقات السرية بين واشنطن وإيران الإسلامية في ثمانينيات القرن الماضي، وهو الذي زيّن للقيادة الأمريكية وإسرائيل تزويد إيران بالسلاح لمواجهة صدام حسين معتبرا أنها تخدم الطرفين بذلك، وما تصريحه بأن إيران ستتعرض لضربة أمريكية إلا دليل موثوق "رغم تقدّم الرجل بالعمر" على تغيّر المزاج الأمريكي الإسرائيلي من الحليف السري السابق.
التحركات العسكرية على الأرض السورية لأمريكا وإيران والتصريحات الأمريكية المتوالية التي تعالت نبرتها عقب قمة الرياض، تبدو حتى الآن زوبعة في فنجان، يرى محللون عسكريون وقادة ميدانيون في سوريا أن الطرفين يتجنبان حتى اللحظة المواجهة، وتتحرك قواتهما بتنسيق غير معلن وفق خطوط مرسومة لا تتنازعان عليها، وما الضربتان اللتان وجهتا إلى رتلين عسكريين للنظام وإيران سوى بضاعة مقدّمة للسعودية مقابل الأموال الطائلة.
ولكن ما قبضته أمريكا يعادل عملا عسكريا كبيرا لم تنضج ظروفه بعد، وأن الحملة الإعلامية قد تكون مقدمة لهذا العمل، والسوري ينتظر إزالة الاحتلال الإيراني لأرضه، ولكن لن يكون ذلك سهلا لارتباطه بالدعم الروسي، الذي بسببه بنى كيسنجر توقّعه بأن تنطلق من إيران الحرب العالمية الثالثة.
*عبد السلام حاج بكري - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية