يدخل "ميشال سورا"، الكاتب والباحث الفرنسي المولود في تونس في صلب المسألة السورية، بشكل مباشر ودون تردد كما فعل معظم الكتّاب السوريين.
"سورا" لم يجد حرجاً بوصف النظام الطائفي (كما يسميه المثقفون السوريون دون أي إشارة لأي طائفة ينتمي) بأنه نظام علوي، بل إن ميشيل سورا يرفض بشكل قاطع وصفه بأنه نظام ويفضل تسميته بالسلطة.
يقول "ميشال سورا": "لم يكن حافظ الأسد مهتماً إطلاقاً بتأسيس نظام حكم، ومن هنا تأتي صعوبة اقتلاعه من قبل معارضيه".
ويضيف سورا: "نذكِّر، دعماً للنظرية الأصولية، بحقيقة أن السلطة الآن علوية، وعلوية فقط دون شريك، وما حزب البعث العربي الاشتراكي سوى واجهة مدنية لهذه السلطة. وقد تم خلال المؤتمر القطري (السوري) السابع للحزب، الذي انعقد في دمشق بين كانون الأول 1979 وكانون الثاني 1980، تشكيل لجنة مركزية تجتمع مرة كل ثلاثة أشهر لدراسة الخطوط العريضة لسياسة البلاد، تضم هذه اللجنة 75 عضواً، 30 منهم علويون (ضباط في معظمهم). تحت تبرير التصدي لما بقي من تأثير للطائفة السنية (والتي تشكل 75 في المئة من السكان) داخل القيادة القطرية، ويمثل تلك الطائفة رجال مثل محمود الأيوبي الرئيس السابق لمجلس الوزراء، وعبد الحليم خدام وزير الخارجية، ومصطفى طلاس وزير الدفاع، وحكمت شهابي رئيس الأركان؛ وهم من اعتقدنا أنهم ربما يحملون بديلاً سياسياً، لكنهم في الواقع ليسوا سوى رهائن سنّة لدى الأقلية العلوية المسيطرة".
المفكر السوري صادق جلال العظم، حين تحدث عن العلوية السياسية، قوبل طرحه بهجوم شديد، حتى من قبل أشخاص يحسبون على المعارضة. علما أن ما قاله العظم جاء بعد عقود من حكم عائلة الأسد لسوريا وبعد عامين على انطلاق الثورة السورية. الثورة التي واجهتها السلطة العلوية بعنف وإجرام شديد يفوق حتى ما يمكن وصفه إرهاب الدولة، سوريا أصبحت مسلخا بشريا بعد أن كانت عبارة عن سجن كبير.
استند سورا في تحليله لبنية السلطة في سوريا، إلى نظرية ابن خلدون في العصبية والمُلك. وأسهب في شرح آلية تكوين السلطة العلوية، وكيف استطاعت السيطرة على مفاصل الدولة السورية، وتحطيم بقية مراكز القوى، سواء القوى المدنية مثل النقابات، عبر تهميشها أو القوى الدينية عبر احتوائها بشكل يبقى لها بعض الهيبة الظاهرة. وبالطبع سبقها تحطيم لكل القوى السياسية من مختلف الأحزاب. لتتحول سوريا لاحقا إلى فرع مخابرات كبير تديره عائلة الأسد وخلفها بقية الطائفة العلوية.
طائفة على استعداد لحرق البلد وتحطيمه كما يقول شعار رفع في بداية الثورة من قبل أجهزة المخابرات (الأسد أو نحرق البلد)، شعار تحول إلى واقع بعد الذي شهدناه منذ ست سنوات وحتى اليوم.
الاستعداد العالي لتحطيم البلد مقابل البقاء في السلطة لم يكن بالأمر المفاجئ، يورد سورا في كتابه كيف أن رفعت الأسد أبدى استعداه لقتل مليون سوري، حين كتب شقيق الرئيس افتتاحية جريدة تشرين صبيحة يوم من أيام سوريا الدامية في شهر تموز 1980.
يرصد الكتاب تاريخ مرحلة مهمة وحساسة من تاريخ سوريا، حقبة لم يكتب عنها الكثير. ويبين لنا الكاتب كل ما جرى قبل وأثناء وبعد مجازر الأسد في ثمانينيات القرن الماضي، وكيف أن الصراع لم يكن صراعا مسلحا أو صراعا بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين.
يذكر سورا بالأحداث والتواريخ مراحل الاحتجاجات وكيف كان للقوى المدنية، وخصوصا النقابات وتجار المدن دور كبير في تلك الفترة للتخلص من الطغمة الحاكمة وإسقاطها بالوسائل السلمية، حيث كان للإضراب الذي بدأه تجار حلب ومن ثم انتقل لبقية المدن أن يسقط السلطة مع تصاعد المظاهرات في معظم المدن السورية وخصوصا في حلب باستثناء مدينة دمشق.
يقول سورا: "فكانت المدن السورية بأكملها مشلولة بالإضراب، وكان المتظاهرون يهتفون في كل مكان بسقوط النظام، ما أدى إلى مواجهات عنيفة مع قوات الأمن. إلا دمشق، مركز المجتمع الإداري والعسكري، إذ بقيت على الرغم من ذلك خارج الحراك بشكل ملحوظ وبدا أنها المعقل الأخير للنظام الحاكم. وقد أرسل تجار المدينة في اليوم نفسه برقية دعم إلى حافظ الأسد وصلت في الوقت المناسب، معطية هذا الأخير ضمانة مدنية كبيرة، أما حلب فكانت على العكس، تقود الثورة".
يمكن اعتبار الكتاب وثيقة مهمة ومرجعا لمرحلة توحش السلطة العلوية، في بداية انقضاضها على الدولة وتحطيم المجتمع السوري.
وكان مؤلف الكتاب ينشر مواده بأسماء مستعارة في الصحف الفرنسية خوفا من بطش الأسد، حين كان يقيم في بيروت، وقد عرف سوريا جيداً أثناء دراسته فيها ومن ثم انتقل إلى بيروت ليواصل عمله البحثي والصحفي في فضح وتوصيف السلطة في سوريا.
سورا الكاتب اليساري الذي لم يكن يعاني من "الإسلاموفوبيا"، صديق الفلسطينيين والمناصر لقضيتهم والمنحاز للشعب السوري منذ الحرب الأولى التي شنتها عائلة الأسد، العائلة التي خبرها جيدا ووصفها بالمتوحشة، قُتل (سورا) على يد الأسد في بيروت عبر مجموعة مسلحة تنتمي إلى ميليشيا "حزب الله" سنة 1985، قبل أن يبلغ الأربعين من عمره.
لعل أهم ما يميز الكتاب بالإضافة لكونه وثيقة، هو القدرة العجيبة للكاتب على فهم وتحليل بنية السلطة والمجتمع وأيضا على استقراء المستقبل، لو كان سورا حياً بيننا اليوم لخاطبنا: ألم أقل لكم!
*غسان ياسين - مساهمة لـ"زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية