كانت والدتي رحمها الله عندما يخرج شاعر الربابة على التلفزيون تنهر ضجيجنا وتطلب منا جميعا السكوت، من أجل أن تستمع إليه بإصغاء، ثم نشاهدها بعد قليل وهي تمسح قطرات الدموع التي تفر من عينيها رغما عنها، فنستغرب ما الذي يطربها في هذا الطنين الذي يشبه طنين الدبور.
فيما بعد قررت أن أستمع معها لشاعر الربابة، لكني طلبت منها أن تترجم لي كلامه الذي لم أكن أفهم منه شيئا، فعرفت أن القضايا التي يناقشها وتبكي والدتي بالذات، هي القضايا التي تخص كبار السن، مثل علاقة الكنة بالحماية التي تسرق الابن من أمه وأهله أو قضايا عقوق الوالدين وغدر الزمان بالعجزة، وكانت بعد كل وصلة تنظر إلي، بما يشعرني بالريبة، وتطلب مني أن آخذ العبرة من هذا الكلام.
في الحقيقة، لم أكن أرى في شاعر الربابة سوى رجل غريب الأطوار، يمسك بعصا كأنه اقتطعها من دالية عنب دون تشذيب، ثم يمررها على وتر معلق على تنكة باطون، لتحدث ضجيجا أكثر مما تحدث نغما، وكنت أستغرب ان هناك الكثير من المطربين الذين ناقشوا ذات القضايا وبصورة أجمل مما يبدو عليها شاعر الربابة، إلا أن أيا من هؤلاء لم يكن يؤثر في والدتي أو يثير شجونها .. فما السر يا ترى .. ؟
اكتشفت فيما بعد أن القضايا "المجعلكة" التي لا حل لها، لا تصلح أن تقدم إلا بهذه الصورة البسيطة، رجل كئيب يجلس في بيت الشعر ويحيط به المهزومون من كل الجهات، ثم يبدأ نحيبه ونواحه. لهذا أثر فينا سميح شقير عندما غنى "يا حيف" منفردا على العود.. ولو غناها وخلفه أوركسترا لما أطربتنا ولا أثرت فينا.
من جهة ثانية، لا أحد يدرك اليوم مخاطر العزلة التي يعيشها الشعب السوري، بينما لا يجد من "ونيس" له سوى أشعار الربابة الحزينة، وعلى المستوى الفردي، روى لي مرة أحد الباحثين في التراث، وكان مهندسا كذلك، أنه كان عنده مزرعة دجاج بعيدا عن التجمعات السكنية، واضطر للمكوث فيها لأكثر من عشرين يوما متواصلة، قال لي إنه بعد عدة أيام أخذت تراوده أفكارا جنسية نحو الدجاج وأخذ يتأملها بإمعان عندما يزورها ليضع لها الطعام.. فيما بعد قرر هذا الباحث أن ينجز موضوعا عن مخاطر العزلة، وكيف أن العرب والدين الإسلامي أعلوا من شان العلاقات الاجتماعية والإنسانية وحضوا عليها واعتبروا فاعلها من الصالحين.
وما يصح على الفرد يمكن قياسه على الجماعة، فالشعب السوري يعيش اليوم العزلة بكل معانيها، والأفكار الشيطانية تراوده منذ فترة ويتأملها كذلك بإمعان، فهو حتى الآن يريد أن يحارب حزب الله في عقر داره ويقتلع حسن نصر الله من شروشه، وبعدها يتوجه إلى إيران ليضع حدا للولي الفقيه ويلزمه حدوه، أما روسيا فهي عدوته ما دامت تحتل أرضه، وعلى مستوى آخر يخطط إذا ما انجز المهام السابقة ان يتخلى عن عروبته بعد أن خذله إخوانه العرب.. ولا تستغربوا أن تقوده الأفكار الشيطانية للانسحاب من منظمة المؤتمر الإسلامي ورابطة الشعوب الإسلامية.
هكذا تفكر الشعوب المخذولة وهي تستمع لشاعر الربابة، تفكر بالانتقام من مخيلة واسعة.
وأذكر أن والدتي رحمها الله وبعد أن تنتهي من الاستماع إلى شاعر الربابة، وتنتهي من بكائياتها، كانت تتنمر على زوجات أخي وعلى إخوتي، وكأنها تريد أن تقول لشاعر الربابة إنها ترفض أن يحل بها ما حل مع أبطال أشعاره، فيستغرب إخوتي وزوجاتهم ردة فعلها وعدوانيتها المفاجئة، رغم أنها قد تكون قبل قليل تمازحهم ويمازحونها، ذنبهم الوحيد أنهم لم يفهموا ما كان يقوله شاعر الربابة قبل قليل!
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية