أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الرقة تذبح بالعلن.. فؤاد عبد العزيز*

اثار القصف على الطبقة - ناشطون

قبل أكثر من عشر سنوات، تعرفت على شاب من الرقة اسمه "شواخ"، ويومها اعتقدت أنه الوحيد على وجه الكرة الأرضية الذي يحمل هذا الاسم، لكن فيما بعد زرت محافظة الرقة أكثر من خمس مرات، وكنت في كل زيارة ألتقي بخمسة أشخاص على الأقل اسمهم "شواخ".

لم أحاول الاستفسار عن معنى هذا الاسم أو عن سر استخدامه بكثرة من "الرقاويين"، لكن لفت انتباهي أن جميع الأشخاص الذين كانوا يحملون هذا الاسم، كانوا يحملون أيضا نفس الصفات، فهم طيبون جدا ودمثون ويتمتعون بمعايير أخلاقية مميزة في سلوكهم وكلامهم.

أما صديقي الصحفي الذي عرفني على شواخ، وهو من الرقة أيضا، فكان عنده أخ اسمه "ذياب"، وكنت أستمتع كثيرا عندما يتصل بأخيه أو عندما يتصل أخوه به، كنت ألمس نوعا غريبا من العلاقة بين الإخوة لم أعهدها من قبل، وهي الاحترام الفائق، بين الكبير والصغير، وبين الأخ المتعلم والأقل علما. 

لقد تكونت لدي فكرة من خلال زيارتي المتعددة لهذه المحافظة ومعرفتي بعدد كبير من أبنائها في دمشق، أن أهاليها أناس مسالمون جدا وكرماء ومحبون للغير، والآخر يستطيع الاندماج معهم بسرعة، وهي ميزة يعزوها أهالي الرقة لسد الفرات الذي أتاح لآلاف الأسر من غير أهالي المحافظة أن يعيشوا فيها ويتعايشوا مع أهلها، كما لو أنهم من سكانها الأصليين، وعلى الرغم من أن النظام حاول أن يعزل الغرباء في مدينة أسماها "الطبقة"، إلا أن أبناء هذه المدينة من الشباب والذين ولد أغلبهم فيها، كانوا يقولون عن أنفسهم إنهم من الرقة دون الإشارة إلى أصول محافظاتهم. 

للأسف، هذا التسامح لم يشفع للرقة أن تعيش بسلام، وربما أنها المحافظة الوحيدة التي اكتفت بالمظاهرات السلمية، ولم يقم أبناؤها بعمل تشكيلات وكتائب عسكرية عندما ثاروا على النظام وتحرير مدينتهم من سيطرته في مطلع العام 2013، ولعل ذلك كان من أبرز الأسباب الذي أوقعها بين براثن تنظيم "الدولة الإسلامية"، مستغلا طيبة أهلها وعدم نزوعهم للعنف، فكانت أن دفعت ثمنا باهظا من حياة أبنائها، وأصبحت تذبح بصمت من قبل التنظيم الذي طوقها بسور عالٍ من التعتيم الإعلامي وتحولت إلى منطقة شبه معزولة عن العالم. 

وحتى عندما قرر العالم المتمدن تحريرها من سيطرة تنظيم "الدولة"، لم يزدها ذلك إلا ذبحا ... لكن هذه المرة بالعلن وليس بصمت. 

الرقة اليوم، وكما يشاهد ويتابع العالم، هي على أعتاب مذبحة بشرية هائلة، دافعها الأساسي، ليس محاربة تنظيم "الدولة الإسلامية"، كما تروج تلك الدول، وإنما الأطماع الاستعمارية للسيطرة على أهم خزان لمياه الري في سوريا، بالإضافة إلى قربها من مناطق الثروات النفطية، والذي يزيد من أهميتها بالنسبة للدول المتصارعة عليها. 

وإذا ما أردنا التعمق أكثر في البحث عن المزايا الاستراتيجية لمحافظة الرقة، فهي منطقة غير عادية على الإطلاق، نظرا لقربها من العراق من جهة، ومن تركيا من جهة ثانية، هذا عدا عن الحالة الرمزية التي تمثلها هذه المحافظة والتي تعتبر السيطرة عليها كأنما تم القضاء على آخر معاقل تنظيم "الدولة الإسلامية"، ما يعني نهايته بالكامل.

غير أن البشع في هذا الصراع بين القوى المتحاربة على مدينة الرقة، هو هذا الاستهتار بحياة الناس هناك، سواء من خلال بث الشائعات التي تقول بقرب انهيار سد الفرات والتي من المرجح أن يكون المروج لها هو القوات الأمريكية التي نزلت قبل أيام قرب السد، أو من خلال سلوك تنظيم "الدولة" الذي يمنع خروج المدنيين من أجل الاحتماء بهم لدى المواجهة المرتقبة مع قوات التحالف الدولي. 

وفي كلتا الحالتين، فإنه على ما يبدو فإن الأطراف المتحاربة قررت أن يكون أهالي الرقة هم الورقة الأرخص في هذا الصراع والتي يتلاعب بها الجميع بعيدا عن حسابات الإنسانية وحقوق البشر. 

لا نملك الكثير لكي نقوله لأهالي الرقة سوى الدعاء لهم بأن يحفظهم من مكر من يدعون أنهم يتقاتلون من أجلهم، وقد علمت مؤخرا، أن شواخ وذياب لم يغادرا الرقة، رغم كل الفرص التي أتيحت لهما، ورغم كل إغراءات اللجوء الأوروبي، لقد قيل لي إنهما لازالا يراهنان على طيبتهما كونهما لم يؤذيا أحدا في حياتهما، وكل ما يرغبانه هو العيش بسلام فقط على الأرض التي ولدا عليها، ولن يغادراها حتى لو انهار سد الفرات لا قدر الله.

*من كتاب "زمان الوصل"
(203)    هل أعجبتك المقالة (208)

محمد علي

2017-03-27

شكرا استاذ فؤاد ، و لنفس الاسباب تتكالب ايضا الاكراد على المنطقه تحت راية الصهيونية التي كما يدعوا كرداسرائيل ، الاكراد من اخطر المكونات المغتصبة الهادفة لتقسيم المنطقه الاسلامية و وحدتها ،،، اما استخدامهم لقصة احفاد صلاح الدين و غيرها من قصص اطفال ما قبل النوم فنقول ان صلاح الدين لم يكون لولا الجيوش الاسلامية و القادة من الشام و العراق هو لم يحارب لوحده، و من بعدها تبين بانه خلفه ابناء اخوته و اقاربه الضغاة لحكم مصر و القدس و سلموها للصليبين مرة اخرى ،، يكفينا نفخ بالونات الخيانة الكرداسرائيليه اما المكون الكردي مكون اسلامي تحت راية القران و الشريعه و لغته العربية و بقوانين دستوريه علمانية و اتحادنا القوى مع تركيا ،،، اما ان يعود الاكراد الى ايران ،،، فقصص صلاح الدين و هنانو لا تغني من جوع ..


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي