من أكثر المشاهد إيلاما في الثورة السورية، أن الشعب الثائر وصل إلى حالة لم يعد يمثله فيها أحد، فهو في أحسن الحالات أصبح يهلل لكل من يضرب بالنظام، مهما كانت صفة الضارب، وحتى لو كان الشيطان.
هذه الحالة، لسنا متأكدين إن كانت صحيحة أم لا، أو أن لها ما يشبهها في تاريخ الثورات، لكن ذلك يؤكد أن الثورة السورية مختلفة عن غيرها في كل تفاصيلها وسياقاتها، وهي وفقا لذلك لا بد أن تصل إلى نتائج مذهلة أو صادمة..!
ما جعلنا نبدأ بهذه المقدمة، هو الحالة الجديدة التي ظهر عليها جمهور الثورة، وإعلام المعارضة، وهو يتابع وينقل أخبار هجوم أحد فصائل المعارضة المسلحة في دمشق، يوم أمس، حيث بدا واضحا أن الحذر كان سيد الموقف، وخلت التغطية من أي مشاعر واضحة تجاه الفصيل المهاجم، وربما كانت المرة الأولى التي لا نجد ضرورة لخروج موسى العمر، لكي يشرح لنا مدى رباطة جأش "المجاهدين" وإصرارهم على تحقيق أهدافهم حتى آخر رجل فيهم، ومتوعدا النظام والجماعات "الزعورية" التي تسانده بالويل والثبور، وهي حالة طبيعية بعد تجربة مؤلمة قبل عدة أشهر، والتي أدت لخسارة حلب، وخسارة المعارضة للكثير من هيبتها الداخلية والخارجية.
غير أن المشهد بدمشق، برأيي، يتعرض لظلم كبير، لدى مقارنته، بتجارب أخرى للمقاتلين في مناطق أخرى، وبالذات الشمال السوري، ذلك أن جبهة دمشق من ناحية شرقها، أثبتت على الدوام تماسكا ومقاومة شرسة للنظام، قل نظيرها في باقي المناطق السورية، ويكفي أن نقلب أحد صفحات قتلى النظام، لنجد أن أغلبهم قد قضى نحبه على جبهة جوبر وبرزة وحرستا وغيرها من مناطق الغوطة الشرقية، بينما جبهات الشمال السوري، فقد كانت منذ البداية مهلهلة، وبيانات الفصائل المقاتلة فيها أكثر من أفعالها.
أرجو ألا يفهم من كلامي أنني أعول كثيرا على الهجوم على دمشق، فهذه المرحلة تخطيناها منذ زمن، وأظن أن التغطيات الإعلامية التي رافقت الهجوم، أظهرت هذا التخطي كذلك، لكني أتحدث بهذا الجانب من مقام جمهور الثورة، الذي لم يعد يعنيه هوية الضارب بالنظام ولم يعد ينتظر النتائج الباهرة.
وشخصيا لم أحفظ حتى الآن اسم الفصيل الذي نفذ الهجوم على دمشق، ولم أكلف نفسي عناء البحث أو السؤال عن اسمه، وهو أمر لا نتحمل مسؤوليته نحن، بل الفصائل المقاتلة ذاتها، عندما اختارت لنفسها رايات وشعارات بعيدة عن الثورة وأهدافها.
لكن كما قلنا، سوف نبقى ضمن سياق أن هناك قوة، لا يستهان بها، متجاورة للنظام في دمشق ومعارضة له وقد قررت الهجوم عليه، صحيح أن موسى العمر لم يخرج حتى الآن ويدافع عنها ويتحدث عن مزاياها "الانغماسية"، وقد يكون ذلك أحد الفضائل، لكن ذلك لا يعني أنها قد تختلف عن التيارات الإسلامية في الشمال السوري من حيث الأهداف والمساعي، فنحن حتى الآن لا نعرف شيئا عن نواياها، لكننا معها في إيلام النظام وإسقاطه، وقد نختلف معها فيما عدا ذلك وفي كل شيء.
وفي العموم، الكل يشعر أن حجر العثرة في حل المسألة السورية هو النظام فقط، فهو الإرهابي والمجرم الأكبر في سوريا، ومهما أظهرت الفصائل الإسلامية التي تقاتله من الغلو والتشدد والممارسات الإجرامية، فهي لا تزال تشكل نقطة في بحر إرهابه.
ولعل الفصائل العسكرية المعارضة المتمركزة حول دمشق، هم جميعهم من أبناء المنطقة، وإذا اضطرتهم الظروف لكي يتطرفوا في سلوكهم بعد سنوات من مواجهة إجرام النظام، فهذا لا يعني أنهم ليسوا سوريين، لكن ليس إلى الحد الذي يجعلهم المقررين الوحيدين لمصير بلدهم ..!!
بكل الأحوال، سوريا تنتظرها الكثير من المخاضات حتى تنضج التجربة السياسية فيها بعد سقوط النظام، وقد يكون من المبكر الخوض في هذه النقاشات قبل أن تلد الثورة مولودها، لكن يجب أن لا نخفي سعادتنا بما تحققه تلك الفصائل من إنجازات من خلال هجومها ضد النظام في دمشق، فهي على الأقل أعادت لجهور الثورة جزءا من روحهم المفقودة بفعل مشهد الباصات الخضر، وهي تنقل خيرة ثوارهم لتعزلهن في "غيتوات" بعيدة إلى أن يحين موعد افتراسهم.
أما اليوم، فعلى ما يبدو أن للثورة أقوالا أخرى، وأن مشهدها الأخير ليس النظام أو مناصروه من الروس والإيرانيين هم من سيحددون سيناريوهاته.
*من كتاب زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية